☰
✕

قائمة الموقع

إنصاف.. لم تنتهِ معركتها مع المرض في غزة

2026-10-17T10:13:00+03:00
إنصاف الحلبي
فلسطين أون لاين

منذ طفولتها، تخوض إنصاف الحلبي (26 عامًا)، من غزة، معركة طويلة مع المرض، تنقلت خلالها بين المستشفيات والعمليات والعلاجات، وتمسكت بالرغم من كل ما واجهته بالأمل، حتى تمكنت من إكمال تعليمها الجامعي. لكن حرب الإبادة وفقدان والديها وانقطاع متابعتها الطبية أعادها إلى مواجهة الخوف من جديد، وهي اليوم بحاجة إلى السفر لتلقي العلاج، مع تدهور حالتها الصحية وضيق إمكاناتها.

بدأت معاناة إنصاف عام 2003، حين ظهرت مشكلات في عينيها، قبل أن تكشف الفحوصات عام 2006 عن وجود أورام متعددة في الرأس وقاعدة الجمجمة، بعضها قريب من جذع الدماغ والنخاع المستطيل. ومع مرور السنوات تأثر بصرها، ثم فقدت السمع في أذنيها تدريجيًا، لتصبح تفاصيل الحياة اليومية تحديًا متواصلًا.

لم يكن المرض وحده ما أثقل طفولتها؛ فقد اكتشفت حقيقة حالتها بنفسها من خلال تقرير طبي، بعدما حاولت أسرتها حمايتها من وقع الحقيقة. تقول لصحيفة "فلسطين": "معرفة طبيعة مرضي زرعت داخلي خوفًا مبكرًا من المستقبل، وجعلتني أشعر أنني مختلفة عن بقية الأطفال، في حين كانت أيامي تمضي بين الفحوصات والمستشفيات والقلق".

وفي عام 2010، خضعت للعلاج الإشعاعي بتقنية "جاما نايف" في مصر، ثم تراجع سمعها مع تطور الأورام، لتواجه تحديًا جديدًا جعل التواصل مع الآخرين أكثر صعوبة.

وفي عام 2020، كشفت الفحوصات عن امتداد أحد الأورام إلى منطقة النخاع المستطيل، ما دفع الأطباء إلى تحذيرها من مخاطر محتملة، ونصحها بالسفر العاجل لإجراء جراحة متخصصة. وبعد رحلة من الانتظار ومحاولات توفير تكاليف العلاج، تمكنت عام 2021 من السفر إلى تركيا، إذ خضعت لعملية جراحية ناجحة، إلى جانب عمليتين في عينها اليسرى لم تحقق نتائجهما الاستقرار الذي كانت تتمناه.

وتضيف إنصاف: "لكن التعافي لم يكن سهلًا؛ فقد واجهت ضعفًا في الحركة والتحكم بالجسم، وخضعت لثلاثة أشهر من العلاج الطبيعي والوظيفي لاستعادة جزء من قدراتي، وبالرغم من الصعوبات، رفضت أن يكون المرض نهاية أحلامي".

فحلمت إنصاف بدراسة التمريض، ثم اضطرت إلى تغيير مسارها التعليمي بسبب وضعها الصحي، قبل أن تستقر على تخصص تكنولوجيا المعلومات التطبيقية، واحتاجت إلى سبع سنوات لإكمال دراستها، مع صعوبات التركيز والتذكر وفقدان السمع، لكنها تخرجت بمعدل 88%.

كان التخرج بالنسبة إليها انتصارًا شخصيًا على سنوات المرض والتعب، ودليلًا على قدرتها على مواصلة الطريق بالرغم من العقبات، غير أن فرحتها لم تدم طويلًا؛ ففي عام 2022، فقدت والدتها بعد صراع مع السرطان، ثم فقدت والدها خلال الحرب على غزة، لتخسر سندًا عائليًا كانت تحتاج إليه في رحلتها القاسية.

ومع الحرب، انقطعت فحوصاتها الدورية التي كانت تجريها كل ستة أشهر لمراقبة الأورام، وفقدت ملفاتها وتقاريرها الطبية تحت الركام، كما خسرت نظارتها وسماعات الأذن التي كانت ضرورية لحياتها اليومية.

وتتابع إنصاف حديثها: "حالتي الصحية تدهورت مع انقطاع المتابعة، فلازمني الدوار، واضطراب في التوازن والحركة، وآلام وتشنجات، وصعوبات في النوم والتنفس، إلى جانب آلام شديدة في أذني اليسرى، كما تعرضت في بعض الفترات لضعف شديد أفقدني القدرة على الكلام مؤقتًا".

ومؤخرًا، أظهرت صورة رنين مغناطيسي وجود ورمين كبيرين يضغطان على الأذنين، مع كون الورم في الأذن اليسرى أكبر ويسبب لها ألمًا شديدًا. وتحتاج إلى تقييم طبي متخصص لتحديد طبيعة العلاج المناسب، وسط مخاوفها من تطور المرض ومضاعفاته.

تعيش اليوم مع شقيقها الأصغر، الذي يحاول مساندتها بما يستطيع، لكن تكاليف السفر والفحوصات والعلاج تفوق إمكاناتهما، وبين حاجتها الملحة إلى العلاج وخوفها من السفر والعملية والابتعاد عن شقيقاتها في غزة، تجد نفسها أمام قرار صعب، بعدما فقدت والديها ولم يبقَ لها من العائلة سوى روابط تتشبث بها وسط كل هذا الألم.

وتعد إنصاف واحدة من 12500 مريض سرطان يواجهون الموت في غزة، في وجود منظومة صحية شبه منهارة في إثر حرب الإبادة، وحصار إسرائيلي مستمر، وفق بيان للمكتب الإعلامي الحكومي في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

"أنا ما بطلب رفاهية، أنا بطلب فرصة للعلاج، وفرصة أعيش"، بهذه الكلمات تختصر إنصاف حاجتها اليوم، فهي لا تطلب سوى الوصول إلى الرعاية الطبية التي قد تساعدها على مواجهة المرض، وتمنحها فرصة لمواصلة حياتها التي لم تتوقف يومًا عن محاولة بنائها.

فهي التي واجهت المرض منذ طفولتها، وأكملت تعليمها بالرغم من الصعوبات، لا تريد أن تتحول سنوات صمودها إلى انتظار عاجز أمام تدهور صحتها. فتناشد أصحاب القلوب الرحيمة مساعدتها على السفر وتلقي العلاج، علّها تجد طريقًا جديدًا للحياة، وتستعيد شيئًا من الأمان الذي سلبته منها سنوات المرض والحرب والفقد.

اخبار ذات صلة