ترتفع تحذيرات في قطاع غزة من تفاقم انهيار الأمن الغذائي مع استمرار تحكم الاحتلال بالمعابر واضطراب تدفق السلع، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية للغزيين.
وأكد مواطنون ومراقبون أن الأزمة لم تعد تقتصر على نقص المواد الغذائية، بل بعجز قطاعات واسعة من المواطنين عن توفير احتياجاتها الأساسية نتيجة فقدان مصادر الدخل واتساع رقعة الفقر.
وقال سعيد عاشور، وهو رب أسرة مكوّنة من 13 فردًا، إن الظروف المعيشية التي تحيط بأسرته صعبة للغاية، مع انعدام مصادر الدخل وعجزه عن تأمين الاحتياجات الأساسية لأفراد أسرته.
وأوضح عاشور، في حديثه لـ«فلسطين»، أن أسرته كانت تعتمد على المساعدات التي تُوزَّع في مراكز الإيواء التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»، إلا أنه لم يتلقَّ أي مساعدة منذ مدة طويلة، مشيرًا إلى أن آخر مساعدة حصل عليها كانت قبل نحو ستة أشهر.
وأضاف أن الأسواق قد تتوافر فيها بعض السلع والمنتجات، لكن وجودها لا يعني قدرة المواطنين على شرائها، مع انعدام السيولة النقدية وتراجع القدرة الشرائية، مؤكدًا أن عدم توفر المال يحول دون تلبية احتياجات أسرته اليومية.
ولفت عاشور إلى أن الأزمة تتفاقم بسبب رفض بعض المحال التجارية التعامل بالعملات النقدية القديمة، وحتى بعض الأوراق النقدية الجديدة، الأمر الذي يزيد من صعوبة إجراء المعاملات اليومية، في حين يُفضّل بعض التجار الدفع عبر التطبيقات المصرفية، ما يضيف عقبات أمام الأسر التي لا تملك أرصدة كافية أو القدرة على استخدام وسائل الدفع الإلكتروني.
وأكد أن غياب الدخل وانقطاع المساعدات وصعوبة الحصول على السيولة جعلت تأمين الاحتياجات الأساسية لأسرته المكوّنة من 13 فردًا مهمة بالغة الصعوبة، في الظروف الإنسانية والمعيشية القاسية التي يعيشها سكان قطاع غزة.
وفي السياق ذاته، ناشدت "أم حسن"، وهي أرملة تعيل ثلاث بنات، المجتمع الدولي التحرك العاجل والخروج عن حالة الصمت والحياد إزاء ما تعانيه الأسر في قطاع غزة من ظروف معيشية وإنسانية قاسية، داعية إلى النظر بعين الرحمة إلى معاناة المواطنين وتوفير مقومات الحياة الأساسية لهم.
وأكدت أم حسن، في حديثها لـ«فلسطين»، أن الأوضاع المعيشية في القطاع لم تشهد تحسنًا ملموسًا رغم مرور عام على بدء وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أن معاناة الناس لا تزال مستمرة، مع صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية وتفاقم الأعباء اليومية على الأسر، ولا سيما تلك التي تعيلها النساء وتفتقر إلى مصادر دخل ثابتة.
وأضافت أن استمرار الظروف يجعل الحديث عن تحسن الأوضاع بعيدًا عن واقع المواطنين، معتبرة أن سياسات الاحتلال وقيوده المفروضة على دخول الاحتياجات الأساسية، إلى جانب الذرائع التي تُستخدم لتبرير هذه القيود، تسهم في استمرار معاناة الناس وتفاقم أزمة الغذاء.
وشددت أم حسن على ضرورة تحرك المجتمع الدولي بصورة جدية لضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتوفير الغذاء والاحتياجات الأساسية، والعمل على إنهاء معاناة الأسر التي تواجه ظروفًا بالغة الصعوبة في ظل استمرار الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.
أزمة مركبة
وقال الخبير الاقتصادي محمود القشاش إن الاقتصاد الغزي يواجه أزمة مركبة تتداخل فيها هشاشة الإنتاج المحلي، والاعتماد المتزايد على الواردات والمساعدات الإنسانية، وتراجع النشاط التجاري والإنتاجي، موضحًا لـ"فلسطين" أن استمرار العوامل يهدد بتوسيع دائرة الحرمان الغذائي، خصوصًا بين الأسر التي فقدت أعمالها ولم تعد تمتلك القدرة على شراء احتياجاتها اليومية.
وأضاف القشاش أن انتظام دخول الشاحنات التجارية والإنسانية عبر المعابر يمثل عنصرًا أساسيًا في استقرار الأسواق، مشيرًا إلى أن أي تراجع في تدفق السلع يمكن أن يؤدي إلى تقلص المعروض، وارتفاع تكاليف التوريد، وزيادة الضغوط على الأسعار، في ظل محدودية المخزونات وضعف قدرة السوق المحلية على تعويض النقص.
وأكد القشاش ضرورة التمييز بين أعداد الشاحنات المصرح بدخولها وتلك التي دخلت فعليًا، وكذلك بين الشاحنات التجارية وشاحنات المساعدات والوقود، معتبرًا أن توفير بيانات دقيقة وشفافة بشأن حركة المعابر وحجم الإمدادات يمثل شرطًا أساسيًا لتقييم الوضع الاقتصادي والغذائي بصورة موضوعية.
وفيما يتعلق بالأسعار، أشار القشاش إلى أن استمرار ارتفاع تكاليف السلع الأساسية، بالتزامن مع تراجع الدخول، يفاقم الضغوط المعيشية على الأسر في القطاع. ولفت إلى أن البيانات الواردة في تقارير أممية خلال أكتوبر تشير إلى بقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة مقارنة بما قبل الحرب، مع تسجيل تضخم بنحو 204% وفق المؤشر المشار إليه في تلك التقارير، إلى جانب ارتفاع متوسط سعر كيس الطحين بوزن 25 كيلوغرامًا إلى نحو 63 شيكلًا، ووصوله في بعض الحالات إلى 75 شيكلًا.
وأوضح أن خطورة الأزمة لا تكمن في ارتفاع الأسعار وحده، بل في اتساع الفجوة بين تكلفة المعيشة والقدرة الشرائية، إذ إن توفر السلع في الأسواق لا يعني بالضرورة قدرة المواطنين على الحصول عليها، خصوصًا في ظل فقدان الوظائف، وتعطل مصادر الدخل، والاعتماد المتزايد على المساعدات الإنسانية.
وشدد القشاش على أن تراجع الإنتاج المحلي، ولا سيما في القطاعات الزراعية والصناعية والتجارية، يزيد من هشاشة الاقتصاد الغزي، ويحد من فرص العمل، ويرفع الاعتماد على الواردات.
وأشار إلى أن الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي، بما فيها تراجع إنتاج الزيتون وتضرر الأشجار والمعاصر، تنعكس سلبًا على المعروض المحلي ودخول المزارعين والعمال والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالإنتاج الزراعي.
وبيّن أن الاقتصاد في غزة يواجه حلقة متداخلة من التدهور؛ فتراجع الإنتاج يزيد الاعتماد على الاستيراد، واضطراب الإمدادات يضغط على الأسعار، وارتفاع الأسعار مع انعدام الدخل يقلص الاستهلاك الفعلي، فيما يؤدي انكماش النشاط الاقتصادي إلى مزيد من فقدان الوظائف وتراجع الدخول.
ولفت القشاش إلى أهمية التحذيرات المتعلقة بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، مشيرًا إلى أن تقييم المخاطر يجب أن يستند إلى المؤشرات الميدانية المعتمدة، مع التمييز بين التحذير من خطر المجاعة والإعلان الرسمي عن وقوعها، الذي يتطلب توافر معايير محددة تتعلق بالحرمان الغذائي وسوء التغذية والوفيات.
ودعا القشاش إلى تبني مقاربة اقتصادية وإنسانية متكاملة لا تقتصر على توزيع المساعدات الغذائية، بل تشمل ضمان التدفق المنتظم للسلع التجارية والإنسانية، وتوسيع المساعدات الغذائية والنقدية، وتعزيز قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية، إلى جانب إعادة تشغيل المنشآت الزراعية والصناعية والتجارية التي يمكن استعادة نشاطها.
كما طالب بمواصلة نشر بيانات دورية وشفافة بشأن حركة الشاحنات، ومخزونات السلع الأساسية، ومستويات الأسعار، وفرص العمل، وحجم المساعدات الواصلة إلى القطاع، بما يساعد على قياس حجم الأزمة وتوجيه التدخلات وفق احتياجات السكان الفعلية.