فلسطين أون لاين

أم ماهر البريم.. ألف يوم من الانتظار وسؤال لا يجد إجابة: أين ابني؟

...
أم ماهر البريم منذ ألف يوم تنتظر عودة تجلها المفقود
خان يونس/ ربيع أبو نقيرة:

مع حلول الذكرى الثالثة لحرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، تدخل أم ماهر البريم يومها الألف تقريبًا في رحلة البحث عن ابنها ماهر، المفقود منذ عام 2024، بعدما ابتلع الغموض مصيره، وترك والدته معلّقة بين أمل اللقاء وخشية الفقد، تتنقل بين المستشفيات وثلاجات الموتى والمراكز الحقوقية، وتسأل عن اسمه في قوائم الأسرى والمفقودين، من دون أن تجد إجابة تطمئن قلبها.

منذ اليوم الذي لم يعد فيه ماهر إلى والدته، لم تعرف طريقًا للراحة، كانت كل وجهة تقصدها تحمل احتمالًا جديدًا للعثور عليه، لكنها كانت تعود منها بالسؤال ذاته الذي يُثقل أيامها ولياليها: أين ماهر؟ وهل ما زال على قيد الحياة؟

تستعيد الأم تفاصيل اختفاء ابنها، الذي كان يبلغ من العمر 27 عامًا، حين اعتاد أن يأتي إليها يوميًا إلى مدرسة النزوح، قاطعًا المسافة بين رفح وخان يونس عبر طريق يمر من الحي الياباني، جنوبي قطاع غزة.

لكن في أحد الأيام، تبدلت حركة قوات الاحتلال الإسرائيلي المتوغلة في خان يونس، ولم يصل ماهر في موعده المعتاد، لتبدأ رحلة بحث لم تتوقف منذ ذلك الحين.

WhatsApp Image 2026-10-15 at 2.56.45 PM.jpeg
 

تقول الأم لصحيفة "فلسطين": إن غيابه المفاجئ دفعها إلى البحث في ثلاجات الموتى، إذ كانت تتفقد جثامين مجهولي الهوية، لعلها تعثر على ابنها بين الوجوه التي لم تجد من يتعرف إليها، كما توجهت إلى الدفاع المدني، واطلعت على صور ضحايا، محاولة التعرف إليه من ملابسه الأخيرة لكنها لم تجده.

لم تكن تعرف إلى أين تذهب بعد ذلك، ولا أي باب يمكن أن يقودها إلى الحقيقة، لجأت إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وأبلغت بفقدان ابنها، وانتظرت أن يصلها خبر يضع حدًا لقلقها، لكن الإجابات بقيت غائبة، ولم تحصل على تأكيد بشأن وجوده حيًا أو استشهاده أو مكان احتجازه.

بصورته تنتظر الأسرى

ومع كل فوج من الأسرى الفلسطينيين المحررين من سجون الاحتلال، يتجدد الأمل لدى الأم، فتسارع إلى المستشفيات التي تصل إليها الحافلات، حاملة صورة ابنها، وتسأل المفرج عنهم واحدًا تلو الآخر: هل رأيتم ماهر البريم؟

تروي أنها انتظرت ذات مرة من الساعة الثامنة صباحًا حتى السادسة مساءً، تراقب الحافلات وتعرض صورة ابنها على الخارجين منها، لعل أحدهم يحمل خبرًا عنه.

لم تحصل إلا على إفادة من شخص قال: إنه سمع اسم ماهر البريم داخل السجن، لكنه لم يره ولم يلتقِ به، فبقيت المعلومة بلا تأكيد.

وتقول: إن بحثها امتد إلى محامية فلسطينية أبلغتها بأن ماهر قد يكون محتجزًا في سجن "مجدو"، فبادرت إلى التواصل معها وقدمت البيانات المطلوبة، لكنها لم تتلقَّ ردًا يحسم الأمر.

وبعد أشهر، أُبلغت بأن اسم ابنها غير موجود في قوائم السجن، لتعود مجددًا إلى دائرة الانتظار والشك.

ابن البيت وسنده

لا تبحث أم ماهر عن اسم في قائمة فحسب، بل عن ابن كان -بالرغم من أنه الرابع بين إخوته- سندًا للعائلة وملاذًا لأفرادها. كان ماهر يعمل في التجارة، يشتري البضائع من السوق ويبيعها، ويعيش بعيدًا عن أي نشاط سوى سعيه إلى تأمين رزقه.

وتصفه والدته بأنه كان مسؤولًا عن إخوته، يرجعون إليه في شؤونهم، ويستشيرونه في قراراتهم، لما عُرف عنه من قدرة على إرشادهم وتقويتهم واحتضانهم.

كان، كما تقول "مأوى لإخوانه"، ولذلك لم يكن غيابه خسارة أم لابنها فحسب، بل غياب السند الذي اعتادت الأسرة أن تستند إليه.

WhatsApp Image 2026-10-15 at 2.56.44 PM (1).jpeg
 

ومع دخول الحرب عامها الرابع، لا تزال سلمى تراقب الأخبار وتتابع كل حديث عن أسرى أُفرج عنهم أو معتقلين كُشف عن مصيرهم.

وتحث الأم أبناءها على السؤال والبحث، وتتمسك باحتمال أن يكون ماهر قد خرج فاقدًا للذاكرة، أو أنه ما زال في مكان لا يستطيع الوصول إليهم منه.

وبين آلاف الأيام التي أثقلها الانتظار، تختصر الأم مطلبها في كلمات موجعة: "بس قولوا لي موجود؟ طب قولوا لي ميت؟ بس أعرف ماهر وين".

ولا تطلب الأم أكثر من الحقيقة؛ إجابة واحدة تنهي عذاب المجهول، وتمنحها حق معرفة مصير ابنها، بعدما استنزفت سنوات الحرب ما تبقى لها من طمأنينة، من دون أن تنجح في انتزاع جواب عن السؤال الذي يرافقها كل يوم: أين ماهر؟

المصدر / فلسطين أون لاين