لم يكن زاد بركات قد أكمل شهره الأول حين اكتشفت والدته منال أن طفلها يعاني السكري، لتبدأ رحلة طويلة مع مرض مزمن يحتاج إلى رعاية دقيقة لا تنقطع. واليوم، بعد سبعة أعوام، لم تعد معركتها مقتصرة على ضبط مستوى السكر في جسده الصغير، بل باتت تبحث عن قلم إنسولين صالح للاستعمال، وشرائح لقياس السكر، ولقمة طعام تحميه من الهبوط، وسط حرب أرهقت عائلتها وحرمتها مقومات الحياة الأساسية.
تجلس منال، (42 عاماً)، أمام واقع لا يشبه ما عرفته قبل الحرب؛ فالعلاج الذي يفترض أن يكون متاحاً بصورة منتظمة أصبح شحيحاً، وما تجده أحياناً لا يصلح للاستخدام، في حين تضطر إلى مواجهة مسؤولية إعالة أطفالها الخمسة وحدها، مع غياب زوجها الذي يسافر منذ ما قبل الحرب.
في قطاع غزة، لم يعد مرض السكري من النوع الأول لدى الأطفال مجرد حالة طبية تتطلب المتابعة، بل تحول إلى اختبار يومي للبقاء، مع نقص الإنسولين وأقلام الحقن وشرائح الفحص، وتدهور الخدمات الصحية، ونزوح العائلات إلى خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية والتخزين الآمن للأدوية.
تشخيص مبكر.. وصدمة لا تنتهي
تستعيد منال بداية الحكاية، حين كان زاد رضيعاً لا يتجاوز عمره 29 يوماً. وبعد أيام من تلقيه لقاح الشهر، بدأت حرارته تتقلب بصورة مفاجئة بين 36 و39 درجة مئوية، وظهرت عليه علامات التعرق الغزير وجفاف الجلد، بالرغم من إقباله على الرضاعة.
نقلته إلى مستشفى النصر بمدينة غزة، حيث اشتبه الأطباء في البداية بإصابته بعدوى ميكروبية أو التهاب السحايا، قبل أن تكشف الفحوص إصابته بالسكري، مع ارتفاع مستوى السكر إلى 840، مصحوباً بالحماض الكيتوني السكري، وهو إحدى المضاعفات الخطيرة للمرض.
تقول منال لصحيفة "فلسطين" إن طفلها أمضى نحو 12 يوماً في العناية المركزة، قبل تحويله إلى مستشفى الرنتيسي، حيث تعلمت كيفية التعامل مع حالته وضبط مستويات السكر لديه.
لكن سنوات المتابعة والرعاية اصطدمت بواقع حرب الإبادة. فبينما يحتاج زاد إلى انتظام العلاج والغذاء وقياس السكر، وجدت والدته نفسها مضطرة إلى البحث عن الطعام في ظروف بالغة الخطورة، بعدما انعدم المعيل، وأصبحت لقمة الخبز أو ملعقة السكر ضرورة للتعامل مع هبوط مستوى السكر لديه.
وتروي أنها اضطرت إلى الذهاب إلى مناطق خطرة، بينها زيكيم ومحيط نقطة توزيع المساعدات المعروفة بالنابلسي، لتأمين الطعام لأطفالها، في مخاطرة لم يكن أمامها خيار سهل لتجنبها.
ومع شح الإنسولين، أخذت رحلة البحث عن العلاج تستنزف ما تبقى لديها من قدرة على الاحتمال.
وتقول إنها كانت تتنقل بين العيادات ومستشفى الرنتيسي، قبل أن تواجه مشكلة انتهاء صلاحية بعض الأقلام المتاحة، إلى جانب انعدام شرائح فحص السكر.
وتضيف أن أقلاماً منتهية الصلاحية عُرضت للبيع بأسعار تراوحت بين 80 و100 شيكل، في وجود ما وصفته بالاحتكار التجاري، في حين اضطرت عائلات إلى التعامل مع خيارات محدودة وخطرة لتأمين علاج أطفالها.
مريم.. امتحان التوجيهي بجرعات غير مضمونة
على مقربة من هذه المعاناة، تخوض مريم صيدم، 16 عاماً، معركتين متزامنتين: إحداهما مع السكري الذي تعانيه منذ سن السادسة، والأخرى مع الثانوية العامة، التي يفترض أن تحدد ملامح مستقبلها الدراسي.
تقول والدتها لينا صيدم، (43 عاماً)، إن حياة ابنتها تغيرت مع الحرب والنزوح إلى خيمة على شاطئ البحر، حيث تفتقر الأسرة إلى وسائل التبريد المناسبة، وتواجه صعوبة في تأمين الإنسولين الصالح وشرائح قياس السكر.
وتوضح لـ"فلسطين" أن مستوى السكر التراكمي لدى ابنتها، الذي كان يتراوح قبل الحرب بين 7 و8، ارتفع إلى 14، وفق نتائج الفحوص التي تحدثت عنها، وسط مخاوف من تداعيات عدم انتظام العلاج.
أما مريم، فتقول إنها تواجه صعوبة شديدة في التوفيق بين الدراسة ومرضها، إذ تضطر إلى فحص السكر أكثر من عشر مرات يومياً، بينما لا تستجيب حالتها، بحسب وصفها، بصورة فعالة للإنسولين المتاح لديها.
وتضيف أنها تحصل على الأقلام من المراكز والعيادات الصحية، رغم انتهاء صلاحية بعضها، لعدم وجود بديل متاح. كما توضح أن الإنسولين المخلوط لا يناسب حالتها، إذ يسبب لها هبوطاً حاداً ومفاجئاً في مستوى السكر.
ولا تقف معاناة مريم عند نقص العلاج؛ فالخيمة التي تعيش فيها أسرتها لا تحميها من البرد، فيما تتعرض لمشكلات جلدية مرتبطة بالبعوض وتلوث المياه، وفق والدتها.
وتقول لينا إن ابنتها دخلت المستشفى مرات عديدة خلال الحرب، بسبب اضطراب مستويات السكر ونوبات الحماض الكيتوني التي تزامنت أحياناً مع إصابتها بنزلات برد حادة، مع انعدام المأوى الملائم.
وتضيف أن الوصول إلى مجمع ناصر الطبي عند تدهور حالتها ليس أمراً سهلاً، إذ قد تضطر الأسرة إلى الانتظار ساعات لتأمين وسيلة مواصلات تنقلها إلى المستشفى.
وبين امتحانات التوجيهي وضرورات العلاج، تجد مريم نفسها أمام مستقبل تحاول التمسك به، بينما تستنزف أزمة الإنسولين قدرتها على الدراسة والاستقرار.
المستشفى يستقبل المضاعفات
تتجاوز الأزمة حدود العائلات لتصل إلى أقسام المستشفيات، إذ تزداد المخاوف من تداعيات نقص العلاج وعدم انتظام متابعة المرضى.
ويقول الدكتور أحمد الفرا، مدير مبنى الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي، إن مرضى السكري من النوع الأول، أطفالاً وبالغين، يواجهون نقصاً في الإنسولين وأقلام الحقن وشرائح الفحص والمستشعرات اللازمة لمراقبة مستويات السكر.
ويشير إلى أن المستشفى يستقبل حالات تعاني مضاعفات خطيرة نتيجة اضطراب مستويات السكر، من بينها الحماض الكيتوني السكري، الذي يستدعي في حالات كثيرة إدخال المرضى إلى العناية المركزة.
ويضيف لـ"فلسطين" أن نقص الإمكانات يمتد إلى بعض الفحوص الضرورية لمتابعة الحالات الحرجة، ومنها فحص غازات الدم الشرياني، ما يزيد صعوبة التعامل مع المرضى الذين يصلون في أوضاع صحية متدهورة.
ويحذر الفرا من أن السكري مرض مزمن يحتاج إلى انتظام الإنسولين والقياس المستمر لمستويات السكر، وأن الإخلال بالعلاج قد يؤدي إلى مضاعفات تمس الأعصاب وشبكية العين والجهاز المناعي، فضلاً عن تأثيراته في نمو الأطفال وسلوكهم وتحصيلهم الدراسي.
ويؤكد أن أقلام الإنسولين تمثل ضرورة أساسية للمرضى، متسائلاً عن المبررات التي تحول دون إدخال هذه المستلزمات الطبية إلى القطاع، في وقت يحتاج فيه الأطفال والمرضى إلى علاج لا يمكنهم الاستغناء عنه.
وفي وجود القيود الإسرائيلية المفروضة على إدخال الإمدادات إلى غزة، تصبح استمرارية العلاج واحدة من أكثر التحديات إلحاحاً أمام المرضى وعائلاتهم، ولا سيما الأطفال الذين يعتمدون على الإنسولين بصورة يومية.
ولا تملك منال بركات ترف التوقف عن البحث، ولا تستطيع لينا صيدم تأجيل علاج ابنتها إلى ما بعد انتهاء الحرب. فبالنسبة إلى زاد ومريم وآلاف المرضى الذين تتحدث عنهم العائلات والكوادر الطبية، لا يمثل الإنسولين دواءً إضافياً يمكن الاستغناء عنه، بل ركناً أساسياً للحفاظ على الحياة.
وبين أقلام تنفد، وشرائح فحص تغيب، وخيام لا توفر ظروف التخزين المناسبة، تواصل الأمهات حمل عبء لا ينبغي أن تتحملنه وحدهن، فيما يحاول الأطفال التمسك بحقهم في النمو والتعلم والحياة.
بالنسبة إلى مريم، لا يزال حلم اجتياز الثانوية العامة قائماً، على الرغم مما يفرضه المرض من حسابات يومية وقلق متواصل. وبالنسبة إلى منال، يبقى أملها أن تجد لزاد علاجاً آمناً يحمي طفولته من مضاعفات مرض يرافقه منذ أيام ولادته الأولى.


