فلسطين أون لاين

دراسات حديثة تبحث أسباب استمرار أعراض "كوفيد طويل الأمد"بعد سنوات من الإصابة

...
دراسات حديثة تبحث أسباب استمرار أعراض "كوفيد طويل الأمد"بعد سنوات من الإصابة

لا يزال بعض المتعافين من فيروس كورونا يعانون أعراضًا مستمرة، أبرزها الإرهاق الشديد وضيق التنفس واضطرابات التركيز والذاكرة، في وقت يواصل فيه العلماء البحث عن الأسباب التي قد تفسر استمرار هذه المشكلات بعد انتهاء العدوى الحادة.

وتشير دراسات حديثة إلى وجود ارتباط محتمل بين هذه الأعراض وتغيرات في تخثر الدم والجهاز المناعي ووظائف الأوعية الدموية الدقيقة، بعدما رصد الباحثون تجمعات بروتينية مجهرية ومؤشرات على اضطرابات مناعية لدى بعض المصابين بما يُعرف بـ«كوفيد طويل الأمد».

لكن هذه النتائج لا تحسم بعد ما إذا كانت التغيرات المكتشفة سببًا مباشرًا للأعراض أم أنها مجرد ظواهر مصاحبة للمرض، كما لم تتحول حتى الآن إلى اختبارات تشخيصية أو علاجات معتمدة.

                                               تجمعات بروتينية واضطرابات مناعية

في دراسة نُشرت في أكتوبر/تشرين الأول 2025 في دورية Journal of Medical Virology، بحث العلماء العلاقة بين التجمعات البروتينية الدقيقة ومكونات مناعية تُعرف باسم «شبكات العدلات خارج الخلوية».

وشملت الدراسة 50 مريضًا يعانون «كوفيد طويل الأمد»، إلى جانب 38 شخصًا من الأصحاء، وأظهرت النتائج زيادة في عدد التجمعات البروتينية وحجمها لدى المرضى، مع وجود ارتباط بينها وبين مؤشرات نشاط شبكات العدلات.

والعدلات نوع من خلايا الدم البيضاء يؤدي دورًا في مكافحة العدوى، ويمكنه إطلاق شبكات من الحمض النووي والبروتينات للمساعدة في احتجاز الميكروبات. لكن استمرار تنشيط هذه الشبكات بصورة غير طبيعية قد يسهم في الالتهاب والتأثير في آليات تخثر الدم.

وافترض الباحثون أن هذه الشبكات قد تساعد على تثبيت التجمعات البروتينية الدقيقة، بما يجعل التخلص منها أكثر صعوبة، إلا أن الدراسة لم تثبت أن هذه العملية تسبب الأعراض المستمرة بصورة مباشرة.

                                              هل يصبح الدم أكثر قابلية للتخثر؟

وفي دراسة أولية نُشرت على منصة medRxiv في أغسطس/آب 2026، وجد باحثون مؤشرات على تغيرات في خصائص التخثر لدى بعض المصابين بـ«كوفيد طويل الأمد».

وشملت الدراسة 20 مريضًا و19 شخصًا من الأصحاء، وأظهرت الاختبارات أن عينات المرضى كانت أسرع في بدء التخثر وتطوره، إلى جانب رصد تجمعات بروتينية ذات خصائص غير طبيعية.

وتعزز هذه النتائج فرضية استمرار بعض الاضطرابات المرتبطة بالتخثر بعد انتهاء العدوى الحادة، غير أن صغر حجم الدراسة وعدم خضوعها لمراجعة الأقران يحدّان من إمكانية تعميم نتائجها أو اعتبارها دليلًا حاسمًا.

                                             اضطرابات الأوعية الدموية الدقيقة

وامتدت الأبحاث إلى دراسة الأوعية الدموية الدقيقة المسؤولة عن إيصال الدم والأكسجين إلى أنسجة الجسم.

وأظهرت دراسة نُشرت في دورية Microcirculation في سبتمبر/أيلول 2026، وشملت 36 مريضًا و47 شخصًا من الأصحاء، ضعف بعض الاستجابات الوعائية وتأخر تعافي الأوعية الدقيقة بعد عودة تدفق الدم.

كما رصدت دراسة أخرى نُشرت إلكترونيًا في يوليو/تموز 2026 تغيرات في بعض الخلايا المناعية والخلايا المبطنة للأوعية الدموية لدى مرضى «كوفيد طويل الأمد»، إلى جانب تجمعات بين الصفائح الدموية وخلايا مناعية وبطانية.

وتدعم هذه النتائج احتمال وجود تداخل بين اضطرابات المناعة والتخثر ووظائف الأوعية الدموية، لكنها لا تحدد حتى الآن ما إذا كانت هذه التغيرات سببًا للمرض أم نتيجة له.

                                   ما علاقة هذه التغيرات بالإرهاق وضباب الدماغ؟

يُعد الإرهاق الشديد وضعف التركيز وضيق التنفس وعدم تحمل المجهود من أبرز الأعراض التي يعانيها بعض المصابين بـ«كوفيد طويل الأمد».

ويشير التفسير العلمي المحتمل إلى أن اضطراب وظائف الأوعية الدقيقة قد يؤثر في قدرة الأنسجة على تلبية احتياجاتها من الدم والأكسجين، خصوصًا أثناء النشاط البدني.

أما اضطرابات التركيز والذاكرة، المعروفة باسم «ضباب الدماغ»، فقد ترتبط بعدة عوامل، من بينها التغيرات المناعية واضطرابات الجهاز العصبي والدورة الدموية.

ومع ذلك، لا يثبت العثور على تجمعات بروتينية في عينات الدم وجود انسداد في الأوعية الدموية داخل الدماغ، ولا يعني أن هذه التجمعات مسؤولة مباشرة عن الاضطرابات المعرفية.

كذلك، قد ينتج ضيق التنفس عن أسباب رئوية أو قلبية أو وعائية، ما يجعل من الضروري عدم اختزال أعراض المرض في آلية واحدة.

                                               هل اقترب العلماء من علاج فعال؟

رغم النتائج التي توصلت إليها الدراسات الحديثة، لا يزال الطريق طويلًا قبل اعتماد هذه الاكتشافات في تشخيص «كوفيد طويل الأمد» أو علاجه.

ويحتاج الباحثون إلى دراسات أكبر لتحديد مدى دقة المؤشرات الحيوية المكتشفة، وقدرتها على التمييز بين المرضى والأصحاء والمصابين بأمراض أخرى، فضلًا عن التحقق من إمكانية تكرار النتائج باستخدام تقنيات مخبرية موحدة.

كما لم تثبت الأبحاث حتى الآن أن استخدام مضادات التخثر أو إجراءات تنقية البلازما يعالج الأعراض المستمرة للمرض، ولا يُنصح باستخدام هذه التدخلات لهذا الغرض دون أدلة سريرية كافية وإشراف طبي متخصص.

وتتطلب الخطوة التالية إجراء تجارب علاجية مضبوطة لاختبار ما إذا كان التدخل في المسارات البيولوجية المشتبه بها يؤدي بالفعل إلى تحسن الأعراض ووظائف الأوعية الدموية.

                                           فرضيات واعدة وأسئلة بلا إجابات نهائية

تضيف الدراسات الحديثة أدلة جديدة إلى الأبحاث التي تبحث العلاقة بين اضطرابات التخثر والمناعة والأوعية الدموية الدقيقة واستمرار أعراض كورونا، لكنها لا تقدم حتى الآن تفسيرًا نهائيًا لهذه الظاهرة.

ويرجح الباحثون أن «كوفيد طويل الأمد» قد ينشأ عن مجموعة من الآليات المرضية التي تختلف من شخص إلى آخر، بدلًا من وجود سبب واحد يفسر جميع الحالات.

وتبقى الأولوية العلمية إثبات ما إذا كانت التغيرات المكتشفة تؤدي دورًا مباشرًا في استمرار الأعراض، وما إذا كان استهدافها علاجيًا قادرًا على تحسين حياة المصابين.

المصدر / فلسطين أون لاين + وكالات