كرّس الشهيد الدكتور محمد إسماعيل عيد، المعروف بـ"أبو إسماعيل"، حياته للتعليم والبحث العلمي وتطوير الرياضة الفلسطينية، جامعاً بين التخصص الأكاديمي والعمل المجتمعي والمبادرات الهادفة إلى الارتقاء بالكوادر الرياضية.
وبصفته مؤسس المركز الفلسطيني للدراسات الرياضية وأمين سره، سعى إلى تعزيز البحث العلمي وتنظيم البرامج التدريبية، وكان يستعد قبل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة لإطلاق دبلوم متخصص في تأهيل مدربي رياضات ذوي الإعاقة، قبل أن يرتقي في استهداف منزله بمخيم البريج، تاركاً خلفه مشروعات لم تكتمل وأحلاماً لم تتحقق.
من مخيم البريج إلى الدكتوراه
وُلد الدكتور محمد عيد في مخيم البريج وسط قطاع غزة، يوم السادس من أبريل/نيسان 1978، وواصل دراسته وتخصصه في مجال التربية الرياضية حتى حصل عام 2017 على درجة الدكتوراه من جامعة الإسكندرية في مصر، عن دراسة تناولت التخطيط لتطوير كرة السلة الثلاثية في قطاع غزة.
عمل عيد أكاديمياً ومحاضراً في كلية التربية الرياضية بجامعة الأقصى في غزة، كما أسس المركز الفلسطيني للدراسات الرياضية وتولى أمانة سره، بهدف تعزيز البحث العلمي وتطوير الكفاءات الرياضية، وربط المعرفة الأكاديمية باحتياجات الواقع الرياضي الفلسطيني.
وكان حريصاً على البحث عن المعلومات والتدقيق في المصادر وجمع البيانات والأرقام، كما شارك في دورات علمية متنوعة خلال مسيرته الدراسية، وبنى علاقات مميزة مع الطلاب المصريين والعرب خلال وجوده في جامعة الإسكندرية.
لم يكن العلم بالنسبة إليه مجرد وسيلة للحصول على الشهادات، بل طريقاً لتطوير الرياضة ومساعدة الطلاب والباحثين على تحقيق أهدافهم.
أخلاق عالية وعطاء بلا مقابل
حظي الشهيد محمد عيد بمكانة خاصة لدى زملائه الأكاديميين، الذين عرفوه رجلاً صادقاً وملتزماً، وصاحب نخوة ومبادرات إنسانية، لا يتردد في تقديم المساعدة للآخرين، سواء في حياته الشخصية أو في محيطه العلمي والرياضي.
ويستعيد الدكتور محمد حسين عبدالله أبو عودة، عضو الاتحاد الفلسطيني للجمباز ورئيس لجنته الفنية، ذكرياته مع صديقه الراحل، مؤكداً أنه كان يتمتع بأخلاق عالية، ويبادر دائماً إلى مساعدة زملائه، بل كان يقدم من ماله الخاص لخدمة الآخرين.
ويقول أبو عودة إن عيد كان حريصاً على حل الخلافات التي قد تنشأ بين أصدقائه، ويعمل على تقريب وجهات النظر بهدوء وحكمة وقدرة على الإقناع. كما كان مهتماً بالعلم والبحث العلمي، ويتعامل مع المعلومات بدقة، ويحرص على توجيه الطلاب ومساعدتهم في دراستهم وأبحاثهم.
المركز الفلسطيني للدراسات الرياضية
من أبرز مبادرات الشهيد تأسيس المركز الفلسطيني للدراسات الرياضية، الذي جاءت فكرته خلال وجوده في جامعة الإسكندرية، حين ناقش مع عدد من زملائه ضرورة إنشاء مؤسسة تجمع الأكاديميين والمتخصصين، وتوفر مساحة لتطوير المعرفة والخبرات الرياضية.
ويقول أبو عودة إن عيد بدأ تجهيز متطلبات الترخيص، ثم استكمل الإجراءات بعد عودته إلى قطاع غزة، قبل افتتاح المركز بمشاركة نخبة من المتخصصين. ونظم المركز ملتقيات وورش عمل ودورات تدريبية نوعية أسهمت في تطوير الكوادر الرياضية وتعزيز تبادل الخبرات.
ولم يتوقف عطاء عيد أمام العقبات؛ فعندما اضطر أعضاء المركز إلى مغادرة المقر المخصص له في مدينة غزة، بادر إلى توفير مقر بديل في النصيرات، ودفع التكاليف اللازمة لتجهيزه واستئناف الأنشطة واللقاءات العلمية، قبل أن يتقاسم أعضاء مجلس الإدارة التكاليف لاحقاً.
ويعكس هذا الموقف استعداده لتحمل المسؤولية من أجل استمرار المبادرات التي تخدم الرياضة الفلسطينية، وإيمانه بأن تطويرها يحتاج إلى عمل جماعي ومؤسسات قادرة على مواصلة نشاطها رغم الصعوبات.
أحلام تتجاوز حدود الرياضة
لم تقتصر اهتمامات الدكتور محمد عيد على التدريس والبحث العلمي، بل امتدت إلى الزراعة وتربية الحيوانات، إذ جمعته بصديقه أبي عودة ذكريات وتجارب في تربية الدواجن وزراعة الأشجار المثمرة وتربية النحل.
ويؤكد أبو عودة أن صديقه كان صاحب مبادرات وأفكار متنوعة، لا يحصر اهتمامه في تخصصه الأكاديمي، بل يسعى دائماً إلى التعلم والتجربة والعمل، وهو ما جعل علاقتهما تتجاوز حدود الزمالة إلى علاقة أخوية وثيقة.
وكان الاثنان يلتقيان باستمرار لمناقشة الشأن الرياضي وتبادل الآراء بشأن الأبحاث العلمية. وقبل اندلاع الحرب على قطاع غزة بيومين فقط، كانا يدرسان فكرة إطلاق دبلوم متخصص لتأهيل مدربي رياضات ذوي الإعاقة، في مشروع يعكس اهتمام عيد بتطوير التدريب الرياضي وتوسيع فرص التأهيل.
ويقول أبو عودة إنه شعر بحزن وألم شديدين بعد رحيل طديقه، الذي لم يتوقع أن يفقده بهذه السرعة، خصوصاً أنه كان يمتلك الكثير من الطموحات والمبادرات التي يأمل تنفيذها لخدمة الرياضة الفلسطينية.
رحيل ترك جرحاً وذكريات
في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ارتقى الدكتور محمد عيد إثر استهداف منزله في مخيم البريج، في مجزرة ارتقى فيها أيضاً نجله الأكبر إسماعيل وابنته ريم، وهما من ناشئي نادي خدمات البريج، إلى جانب عدد من أفراد عائلته وأقاربه.
برحيله، خسرت الرياضة الفلسطينية أكاديمياً عمل على تطويرها بالعلم والتخطيط، ورجلاً لم يتردد في تقديم جهده وماله لخدمة الآخرين، وأباً حمل أحلاماً لعائلته وللأجيال الرياضية التي سعى إلى مساعدتها.
رحل قبل أن يرى كثيراً من مشروعاته تتحقق، وقبل أن يستكمل فكرة الدبلوم الذي كان يناقشه مع صديقه، لكن أثره بقي حاضراً في ذاكرة من عرفوه، من خلال مبادراته ومواقفه الإنسانية وإخلاصه لعمله.
لم تكن سيرة محمد عيد مجرد رحلة أكاديمية انتهت بالحصول على الدكتوراه، بل تجربة جمعت بين العلم والأخلاق والمبادرة، وجعلت من تطوير الرياضة الفلسطينية هدفاً يتجاوز الإنجاز الشخصي إلى خدمة المجتمع. وفي ذاكرة زملائه وطلابه، يبقى اسمه مرتبطاً بالعطاء والعمل، وبأحلام رياضية رحل قبل أن يتمكن من استكمالها.