☰
✕

قائمة الموقع

خريجو غزة في مهب تداعيات الحرب.. فرص تتلاشى وكفاءات مهددة بالضياع

2026-10-15T11:52:00+03:00
خريجو غزة في مهب تداعيات الحرب.. فرص تتلاشى وكفاءات مهددة بالضياع
فلسطين أون لاين

يواجه خريجو الجامعات في قطاع غزة أزمة متفاقمة مع استمرار تداعيات حرب الإبادة التي دمّرت المؤسسات التعليمية والاقتصادية، وأغلقت آلاف المنشآت، وقلّصت فرص التشغيل والتدريب، لتضع آلاف الشباب أمام مستقبل مهني غامض.

ومع توقف التوظيف الحكومي وبرامج التشغيل المؤقت وتراجع فرص العمل في القطاعين الخاص والأهلي، باتت الشهادات الجامعية عاجزة عن فتح أبواب العمل أمام كثير من الخريجين، في حين اضطر بعضهم إلى العمل في مهن هامشية بعيدة عن تخصصاتهم، أو الانقطاع عن التعليم والتأهيل لتأمين احتياجات أسرهم الأساسية.

ولا تقتصر الأزمة على الخريجين عموماً، بل تتضاعف حدتها لدى الخريجين من ذوي الإعاقة، الذين يواجهون تحديات إضافية في الوصول إلى فرص عمل ملائمة، وسط تحذيرات من هدر الكفاءات البشرية وتداعيات اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد تهدد مستقبل جيل كامل.

ويحذّر الخبير الاقتصادي د. محمد العف من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي خلفتها الحرب على سوق العمل في قطاع غزة، مؤكداً أن التدمير الواسع للبنية التحتية التعليمية والاقتصادية أدى إلى شلل المسار الأكاديمي والمهني، وقطع حلقة الوصل بين التعليم وسوق العمل، بما يهدد مستقبل جيل كامل من الخريجين والشباب.

ويوضح العف لصحيفة "فلسطين" أن الأضرار التي لحقت بالجامعات والمؤسسات التعليمية، إلى جانب تدمير الشركات الخاصة والمؤسسات الأهلية وتضرر القطاع المصرفي، أسهمت في تراجع النشاط الاقتصادي، وشح السيولة النقدية، وانعدام مدخلات الإنتاج، الأمر الذي انعكس مباشرة على فرص التشغيل والتدريب والتأهيل المهني.

ويشير إلى أن إغلاق المنشآت الاقتصادية وتسريح أعداد واسعة من العاملين فاقما أزمة البطالة بين الخريجين، في ظل غياب برامج التشغيل المؤقت وفرص التدريب الميداني التي تساعد الشباب على الانتقال من مقاعد الدراسة إلى الحياة المهنية، لافتاً إلى أن سوق العمل بات يعاني من محدودية الفرص وارتفاع المنافسة على الوظائف المتاحة.

ويضيف العف أن القطاع العام لم يكن بمنأى عن تداعيات الأزمة، إذ تعرض لشلل مالي ومؤسسي نتيجة تدمير مقرات حكومية وتعثر الموازنات، ما أدى إلى توقف التوظيف الحكومي وتعطيل خطط التطوير الإداري.

ويؤكد أن الواقع يمثل تحولاً خطيراً، بالنظر إلى الدور التاريخي للقطاع العام في استيعاب الخريجين وتوفير قدر من الاستقرار الوظيفي لآلاف الشباب سنوياً.

ويبيّن أن نحو 40 ألف موظف باتوا يواجهون أوضاعاً معيشية ومهنية صعبة نتيجة تعطل المؤسسات الحكومية وانقطاع الرواتب، الأمر الذي زاد الضغوط على أسرهم ودفعهم إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، في وقت يتنافسون فيه مع الخريجين الجدد على فرص عمل محدودة، ما أسهم في زيادة الضغوط على الأجور والأعمال اليومية.

ويشير العف إلى أن استمرار الانسداد في سوق العمل لا يقتصر تأثيره على الجانب الاقتصادي، بل يمتد إلى الجوانب الاجتماعية والنفسية والتعليمية، إذ يضطر عدد من الشباب وطلبة المدارس والجامعات إلى ترك التعليم أو الانقطاع عنه، سعياً لتأمين الاحتياجات الأساسية لأسرهم من خلال الأعمال اليومية والهامشية والأنشطة الإغاثية.

ويحذّر من تفاقم ظاهرة هدر الكفاءات البشرية، موضحاً أن خريجين متميزين وأصحاب شهادات عليا ومتخصصين باتوا يعملون في مهن بعيدة عن مجالات دراستهم، نتيجة غياب الفرص المناسبة.

ويرى أن الواقع يمثل خسارة استراتيجية طويلة الأمد، لأنه يهدر سنوات من الاستثمار في التعليم والتأهيل، ويحد من قدرة المجتمع على التعافي وإعادة الإعمار مستقبلاً.

التشغيل الإغاثي والمهني

ويؤكد العف أن ما يشهده قطاع غزة يتجاوز مفهوم الركود الاقتصادي التقليدي، ليشكل أزمة تنموية عميقة تستنزف رأس المال البشري وتحوّل سوق العمل من مساحة للإنتاج والتطوير إلى اقتصاد قائم على تأمين الحد الأدنى من متطلبات البقاء، محذراً من أن استمرار الوضع الراهن قد يؤدي إلى فقدان مهارات مهنية وعلمية يصعب تعويضها لاحقاً.

وفيما يتعلق بالحلول المقترحة، يدعو العف إلى إطلاق حزمة تدخلات عاجلة للحد من تداعيات الأزمة، في مقدمتها إنشاء صناديق طوارئ لدعم التشغيل الإغاثي والمهني، وتوجيه التمويل المحلي والدولي نحو برامج تشغيل مؤقت مرتبطة بإعادة الإعمار وتقديم الخدمات الأساسية، بما يضمن الحفاظ على ارتباط الخريجين بسوق العمل.

كما يشدد على أهمية إنشاء منصات افتراضية للتدريب والتأهيل المهني والتعليم عن بُعد، لتعويض جزء من الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية التعليمية، إلى جانب توفير منح وتمويلات مرنة للمشاريع متناهية الصغر والمبادرات الريادية التي يمكنها العمل في ظل شح السيولة وضعف الإمكانات.

ويدعو إلى تأسيس قواعد بيانات وحاضنات افتراضية لحصر الكفاءات والخريجين وتوجيه قدراتهم نحو لجان التخطيط وإدارة الأزمات والاستجابة الإنسانية، بما يسهم في الاستفادة من تخصصاتهم وخبراتهم بدلاً من إهدارها في أعمال هامشية لا تتناسب مع مؤهلاتهم.

ويؤكد أن على أن إنقاذ سوق العمل في غزة يتطلب تحركاً عاجلاً ومتكاملاً يجمع بين توفير فرص الدخل، واستمرار التعليم والتدريب، ودعم المبادرات الإنتاجية، وحماية الكفاءات، معتبراً أن الاستثمار في الإنسان يمثل شرطاً أساسياً لأي عملية تعافٍ اقتصادي وإعادة إعمار مستدامة في القطاع.

وفيما يتعلق بالأضرار التي لحقت بالتعليم العالي، يظهر تقييم نشرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أن نحو 95% من حُرُم مؤسسات التعليم العالي في قطاع غزة تعرضت لأضرار، فيما دُمّر 22 حرماً جامعياً بالكامل من أصل 38 شملها التقييم، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه استمرارية التعليم الجامعي وتأهيل الخريجين لدخول سوق العمل.

بدورها، تحذر الأخصائية في ذوي الاحتياجات الخاصة دعاء بشير من تفاقم أزمة البطالة والفقر في صفوف الخريجين من ذوي الإعاقة في قطاع غزة، مؤكدة أن الحرب زادت من معاناتهم، وعمّقت المعاناة التي كانوا يواجهونها قبل اندلاعها، في ظل توقف برامج التشغيل المؤقت وتعطل الوظائف الحكومية وتراجع فرص العمل في القطاع الخاص والمؤسسات الدولية.

وتعتقد بشير لصحيفة "فلسطين" أن الخريجين من ذوي الإعاقة كانوا يعانون من ارتفاع معدلات البطالة حتى قبل الحرب، رغم النص القانوني الفلسطيني الذي ينص على تخصيص نسبة 5% من الوظائف للأشخاص ذوي الإعاقة. وتشير إلى أن حضورهم في المؤسسات الحكومية ظل محدوداً، فيما واجهوا صعوبات كبيرة في الحصول على فرص عمل في مؤسسات القطاع الخاص والأهلي.

وتشير إلى أن عقود التشغيل المؤقت التي كانت توفرها بعض الجمعيات العاملة في مجال الإعاقة، بالشراكة مع مؤسسات دولية، شكّلت متنفساً مهماً لهذه الفئة، ومصدراً للدخل يساعدها على تلبية احتياجاتها الأساسية. وتنبه إلى أن عدداً من هؤلاء الخريجين يحملون شهادات جامعية عليا، بما فيها الماجستير والدكتوراه، كما أن كثيرين منهم أرباب أسر يتحملون مسؤولية إعالة أبنائهم وتوفير متطلبات الحياة اليومية.

وتؤكد بشير أن الحرب أدت إلى تفاقم هذه الأزمة بصورة غير مسبوقة، مع توقف عقود التشغيل المؤقت وتعطل التوظيف الحكومي، إلى جانب تراجع فرص العمل المتاحة في المؤسسات الدولية العاملة في القطاع. وتشير إلى وجود حالات، بحسب ما أفادت به، لخريجين من ذوي الإعاقة تعرضوا للرفض عند التقدم لوظائف لدى بعض هذه المؤسسات، في وقت قلّصت فيه مؤسسات دولية ميزانياتها وأوقفت مشاريع، ما انعكس سلباً على فرص التشغيل.

وتبين أن الظروف المعيشية في قطاع غزة أصبحت أكثر قسوة على الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يواجهون، إلى جانب شح فرص العمل، تحديات إضافية ناجمة عن الدمار الواسع للبنية التحتية وصعوبة التنقل والوصول إلى أماكن العمل، فضلاً عن طبيعة كثير من الأعمال اليومية التي تتطلب قدرات بدنية أو حسية قد لا تتناسب مع احتياجات بعضهم.

وتشدد على أن غياب فرص العمل الملائمة يدفع آلاف الأشخاص ذوي الإعاقة وأسرهم إلى مواجهة مخاطر الفقر المدقع والحرمان من الاحتياجات الأساسية، ويحرمهم من الاستقلال الاقتصادي والمشاركة الفاعلة في المجتمع، الأمر الذي يفاقم شعورهم بالتهميش ويهدد كرامتهم وحقوقهم الإنسانية.

وتحذر بشير من أن تزايد أعداد الأشخاص ذوي الإعاقة نتيجة الإصابات الناجمة عن الحرب يضيف أعباء جديدة إلى أزمة قائمة أصلاً، ويزيد الحاجة إلى تدخلات عاجلة تضمن توفير الخدمات والتأهيل وفرص العمل والحماية الاجتماعية لهذه الفئة، بما يحول دون اتساع التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية للأزمة.

وتدعو إلى تحرك عاجل من الجهات الحكومية والمؤسسات الدولية والمنظمات الأهلية لتوفير فرص تشغيل عادلة وشاملة للأشخاص ذوي الإعاقة، وإعادة تفعيل برامج التشغيل المؤقت، وضمان عدم استبعادهم من فرص العمل والمشاريع الإنسانية، إلى جانب توفير بيئات عمل مهيأة تراعي احتياجاتهم المختلفة.

كما تدعو إلى تفعيل التشريعات التي تكفل حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتعزيز الرقابة على تطبيقها، وتوسيع برامج الدعم الاقتصادي والتأهيل المهني، بما يساعد الخريجين على استثمار مؤهلاتهم العلمية وقدراتهم المهنية، ويمنحهم فرصاً حقيقية للمشاركة في إعادة بناء المجتمع.

وتؤكد أن إنصاف الأشخاص ذوي الإعاقة في قطاع غزة لا ينبغي أن يُعامل باعتباره مسألة إغاثية مؤقتة، بل هو استحقاق حقوقي وإنساني يتطلب سياسات عملية ومستدامة تضمن المساواة في فرص العمل، وتحفظ كرامة الأفراد، وتدعم صمودهم وصمود أسرهم في مواجهة تداعيات الحرب.

اخبار ذات صلة