على عكازيه، يتنقّل يوسف شحادة بين أركان خيمته المقامة بجوار منزله المدمر في منطقة التوام شمال غرب مدينة غزة، محاولًا تدبّر تفاصيل يومه بقدم مبتورة وجسد أنهكته الإصابة.
هنا، حيث لا تشبه الحياة ما كانت عليه، يقضي الشاب البالغ من العمر 32 عامًا أيامه في انتظار تحويلة علاجية متجددة تفتح له باب السفر، وتركيب طرف صناعي يعينه على استعادة شيء من حياته التي انقلبت رأسًا على عقب في لحظة واحدة.
فلم يكن شحادة يتخيّل أن تنتهي رحلة نزوحه القسري بفقدان شقيقته وإصابته إصابة غيّرت مستقبله إلى الأبد، ففي بداية الحرب على غزة، صدرت أوامر الاحتلال العسكرية إلى سكان المنطقة، لإجبارهم على النزوح من بيوتهم وترك حياتهم وممتلكاتهم خلفهم، إلى وجهة مجهولة لا يعرفون ما ينتظرهم فيها.
وأجبرت عائلة شحادة، المكوّنة من ستة أفراد، على مغادرة منزلها تحت وطأة القصف والنيران، حاملةً معها القليل من الاحتياجات الأساسية، تاركةً وراءها تفاصيل حياة لم تكن تعلم أنها قد لا تعود إليها قريبًا.
يستعيد شحادة يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وكأن الزمن توقف عنده، ويقول لصحيفة "فلسطين": "كنا نسير بخوف وخطوات ثقيلة، نحمل بعض الاحتياجات الخفيفة والأساسية، ونحاول النجاة بأنفسنا، وفجأة، بدأ إطلاق النار باتجاهنا عشوائيا، وأصابنا صاروخ إسرائيلي أُطلق من طائرة مسيرة، فأُصبت أنا وجدي، واستُشهدت شقيقتي".
ولم تكن الإصابة وحدها ما يهدد حياته في تلك اللحظات، فالوصول إلى المستشفى بدا مهمة شبه مستحيلة، يضيف: "لم يكن الإسعاف قادرًا على الوصول إلينا، ورفض الصليب الأحمر المجيء لأن المنطقة كانت مصنّفة حمراء، كنا أمام وضع لا نعرف كيف نخرج منه، وكل دقيقة كانت تمرّ تزيد الخطر علينا".
وأمام هذا الواقع، لم يجد والده خيارًا سوى المخاطرة بحياته لإنقاذ ابنه، قاد سيارته الخاصة محاولًا نقله إلى المستشفى، فيما كانت النيران تُطلق عشوائيا في محيطهما، وبين الألم والخوف، كان شحادة يصارع إصابات خطيرة في بطنه وقدمه اليمنى، بينما يحاول والده عبور الطريق لإنقاذه.
وصل شحادة إلى المستشفى الإندونيسي في حالة حرجة، وكان بحاجة إلى تدخل طبي عاجل. أُجريت له عمليتان جراحيتان؛ الأولى في البطن، والثانية انتهت ببتر قدمه اليمنى.
نجا من الموت، لكنه خرج من تلك التجربة مثقلًا بفقدان شقيقته، وبإصابة تركت أثرها في جسده وحياته ومستقبله المهني.
يصمت قليلًا قبل أن يستأنف حديثه، وكأن الكلمات تعجز عن حمل ما بقي في ذاكرته من ذلك اليوم: "إنها مأساة لا توصف، ولا أحب تذكّر هذا الموقف، حتى الآن لم أتمكن من تجاوز آثار الإصابة؛ فقد غيّرت حياتي وعَملي، وأثّرت في كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة".
ولم يكن البتر نهاية المعاناة، بل بداية رحلة طويلة من الانتظار، فبعد أن كان شحادة محاميًا يمارس عمله ويسعى إلى بناء مستقبله، وجد نفسه عاجزًا عن مواصلة مهنته بسبب إصابته، وفقد مكتبه ومنزله، وأصبح يعيش في خيمة مجاورة للبيت الذي لم يعد قادرًا على احتضانه كما كان من قبل.
ومع غياب الطرف الصناعي، تحوّلت العكاكيز إلى وسيلته الأساسية للتنقّل، لكنها لم تمنحه الاستقلال الذي يحتاج إليه؛ إذ تسبّب استخدامها المستمر في آلام بيديه، لتصبح محاولاته البسيطة في الحركة عبئًا إضافيًا على جسد أنهكته الإصابة.
ويوضح شحادة أن أكثر ما يثقله اليوم هو تعذّر السفر لاستكمال العلاج وتركيب طرف صناعي يساعده على استعادة قدرته على الحركة والاعتماد على نفسه.
فقد انتهت مدة تحويلته العلاجية، لينتظر تجديدها، متشبثًا بأمل أن تتحرك معاملته، وأن يصبح السفر ممكنًا بعد طول انتظار.
وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة في غزة إلى أن أعداد حالات بتر الأطراف في قطاع غزة تجاوزت 5 آلاف حالة جديدة منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، إضافة إلى آلاف الحالات القديمة.
وفي ظل الحصار الإسرائيلي، لا يزال نحو 20 ألف مريض وجريح في غزة ينتظرون فرصة للعلاج في الخارج.
لا يتحدث شحادة عن الطرف الصناعي بوصفه وسيلة لتعويض قدم مفقودة فحسب، بل باعتباره فرصة للعودة إلى حياته المهنية والشخصية، واستعادة قدرته على ممارسة أبسط شؤونه دون أن يضطر إلى الاتكاء على العكاكيز أو طلب المساعدة في كل خطوة.



