فلسطين أون لاين

حين تصمت المحركات.. تمشي غزة على أقدام منهكة

...
حين تصمت المحركات.. تمشي غزة على أقدام منهكة
غزة/ عبد الله التركماني:

كان اليوم هو آخر يوم يعمل فيه الشاب "مخلص الجوجو" سائق سيارة أجرة على طرقات مدينة غزة، بعدما أصاب محرك سيارته عطلٌ، ارتبط بنقص الزيوت الصناعية وتعذّر العثور على النوع المناسب بسعر يستطيع تحمّله. أوقف سيارته إلى جانب الطريق، وفتح غطاء المحرك، وأخذ يتفحّص أجزاءه، محاولًا تحديد حجم الضرر الذي أصاب المركبة التي اعتمد عليها لأشهر طويلة لتأمين احتياجات أسرته.

مرّ بعض الركاب وسألوه إن كان سيواصل السير، فأخبرهم بأن السيارة لم تعد تحتمل مشوارًا آخر. كان يعرف أن العودة إلى منزله تعني خسارة دخل يومه، لكنه كان يخشى أن تؤدي مواصلة القيادة إلى تلف المحرك بالكامل، بما يجعل إصلاحه أكثر كلفة من قدرته على الاحتمال.

وقف أمام سيارته مترددًا بين خيارين أحلاهما مرّ: أن يواصل العمل مخاطِرًا بخسارة المركبة نهائيًا، أو أن يوقفها ويخسر مصدر دخله.

يقول الجوجو لصحيفة "فلسطين": "لم أكن أريد أن أنزل السيارة عن الشارع. هذه رزقتي، ومنها أوفّر احتياجات البيت. لكنني صرت أخاف أن أتحرك بها؛ الزيت الذي أحتاج إليه غير متوفر بسهولة، وإذا وجدته يكون سعره فوق قدرتي.

كل يوم أقول لنفسي إنني سأعمل اليوم وأدبّر أمري، لكن السيارة لا تنتظر، وإذا تعطل المحرك نهائيًا فلن أستطيع إصلاحه".

لم يكن توقف سيارة هذا الشاب مجرد خسارة فردية لسائق يواجه أزمة مالية، بل صورة من أزمة أوسع تضرب حركة المواصلات في قطاع غزة، إذ تتداخل ندرة لوازم الصيانة وارتفاع أسعارها مع الأضرار التي لحقت بالمركبات وتراجع القدرة على تشغيلها.

وفي شوارع يعتمد فيها المواطنون على وسائل نقل محدودة للوصول إلى أعمالهم ومراكز العلاج والأسواق، قد يعني خروج سيارة واحدة من الخدمة مزيدًا من الانتظار، أو رحلة أطول، أو اضطرارًا إلى قطع المسافة سيرًا على الأقدام.

ولم تعد صعوبات المواصلات في قطاع غزة مقتصرة على توافر الوقود أو عدد المركبات العاملة، إذ باتت مستلزمات الصيانة، وفي مقدمتها الزيوت الصناعية وقطع الغيار، تمثل تحديًا إضافيًا أمام السائقين الذين يحاولون إبقاء سياراتهم على الطرق رغم ارتفاع التكاليف وتراجع قدرتهم الشرائية، مع اقتراب ثمن لتر الزيت الصناعي من 3000 شيقل، بعدما كان لا يتجاوز 12 شيقلًا قبل الحرب.

ومع منع دولة الاحتلال الإسرائيلي إدخال الزيوت الصناعية إلى غزة، يجد بعض السائقين أنفسهم أمام معادلة قاسية: إما دفع مبالغ تفوق قدرتهم لإجراء الصيانة اللازمة، أو تأجيلها والمخاطرة بتفاقم الأعطال، أو إخراج سياراتهم من الخدمة إلى حين تحسن الظروف.

ولا تتوقف الخسارة عند ثمن الزيت وحده؛ فقد تتطلب الأعطال إصلاحات إضافية وقطع غيار يصعب العثور عليها أو ترتفع تكلفتها، فيما لا يضمن العمل اليومي للسائق تحقيق دخل يكفي لتغطية هذه النفقات.

ومع تكرار توقف المركبات، تتقلص الخيارات المتاحة أمام الركاب، وتزداد صعوبة التنقل داخل المدن وبين مناطق القطاع.

ويجد المواطن نفسه مضطرًا إلى الانتظار طويلًا على جوانب الطرق، أو تغيير مساره، أو دفع أجرة لا تتناسب مع إمكاناته، أو اختيار المشي حين يصبح الانتظار بلا جدوى.

أربعة كيلومترات يوميًا

كل صباح، يخرج خميس الحلو من منزله متجهًا إلى مقر عمله محاسبًا في شركة خاصة، واضعًا في حساباته مسافة أربعة كيلومترات يقطعها يوميًا ذهابًا وإيابًا. لم تعد المسافة بالنسبة إليه مجرد طريق يصل بين المنزل والعمل؛ بل أصبحت عبئًا يوميًا يستهلك الوقت والجهد، ويترك أثره على قدرته على أداء مهامه والعودة إلى أسرته بعد انتهاء الدوام.

في السابق، كان البحث عن وسيلة نقل جزءًا عاديًا من تفاصيل يومه. أما مع تراجع عدد المركبات المتاحة وارتفاع كلفة تشغيلها، فقد أصبح الوصول إلى العمل يتطلب منه حسابات إضافية: كم من الوقت سيقضيه في الانتظار؟ وهل ستتوقف سيارة تقلّه؟ وهل يستطيع تحمّل أجرة الرحلة إذا وجد وسيلة نقل؟

وفي الأيام التي لا يجد فيها سيارة مناسبة، يختار المشي، مدفوعًا بحاجته إلى الوصول في الموعد، حتى لو اضطر إلى بذل جهد إضافي قبل بدء ساعات العمل.

يقول الحلو لصحيفة "فلسطين": "أخرج من البيت وأنا أحسب الوقت مرتين: مرة للمسافة التي سأقطعها، ومرة لاحتمال ألا أجد سيارة.

في البداية كنت أقول إنني سأنتظر قليلًا، لكنني أكتشف أن الوقت يمر وأن موعد الدوام يقترب. في النهاية أبدأ المشي، لأن الطريق على قدميّ، رغم صعوبته، أضمن من الوقوف طويلًا من دون أن أعرف متى سأصل".

بالنسبة إلى الحلو لا تكمن المشكلة في قطع أربعة كيلومترات فحسب، بل في تكرار الرحلة يومًا بعد آخر، مع ما يرافقها من إرهاق جسدي وضغط نفسي.

فالمسافة التي قد تبدو قصيرة لمن يمتلك سيارة أو يجد وسيلة نقل بسهولة، تصبح أكثر مشقة عندما يضطر المرء إلى قطعها بصورة متكررة، في ظل ظروف معيشية صعبة ونقص في الخدمات.

ويضيف: "المشي مرة واحدة ليس هو المشكلة؛ المشكلة أنني لا أعرف متى سأضطر إليه، ولا أستطيع أن أخطط ليومي كما كنت أفعل من قبل.

أحيانًا أخرج وأنا آمل أن أجد سيارة في الطريق، ثم أمضي وقتًا في الانتظار، وعندما أدرك أنني قد أتأخر، أبدأ السير. أشعر أنني أخسر وقتًا وجهدًا قبل أن أصل إلى عملي، مع أنني أحتاج إلى الاحتفاظ بتركيزي وطاقتي لساعات الدوام".

ويؤثر هذا الواقع في طبيعة يومه المهني أيضًا. فعمل المحاسب يتطلب الانتباه إلى الأرقام والبيانات والمعاملات المالية، وهي مهام تحتاج إلى التركيز والدقة.

لكن الوصول إلى مقر العمل بعد رحلة مرهقة قد يجعل بداية اليوم أكثر صعوبة، خصوصًا إذا اضطر إلى المشي تحت أشعة الشمس أو في ظروف لا تساعد على التنقل المريح.

ويقول الحلو: "أحيانًا أصل إلى العمل وأنا متعب قبل أن أبدأ. أحاول أن أركز في عملي وألا أُظهر أن الطريق استنزف جزءًا من طاقتي، لكن الإنسان ليس آلة.

عندما تمشي وتفكر في الوقت الذي تخسره، وفي العمل الذي ينتظرك، وفي طريق العودة الذي عليك أن تقطعه مرة أخرى، يصبح اليوم أطول مما ينبغي".

ولا ينتهي الأمر بانتهاء الدوام. فعندما يغادر الحلو مقر عمله، يجد نفسه أمام الرحلة ذاتها في الاتجاه المعاكس. وقد يضطر إلى المشي مجددًا إذا لم يجد سيارة، ليصل إلى منزله بعد يوم جمع بين متطلبات العمل ومشقة التنقل.

ويتابع: "حين أنهي عملي، أكون قد استهلكت طاقتي في ساعات الدوام، لكنني لا أستطيع أن أطلب من الطريق أن يرحمني. عليّ أن أعود إلى البيت، وأحيانًا أبدأ المشي من جديد.

أكثر ما يزعجني أنني لم أعد أتعامل مع الطريق باعتباره مسافة عادية، بل مشكلة يجب أن أجد لها حلًا كل يوم".

ومع مرور الأيام، يتحول هذا الاضطرار إلى نمط حياة يفرض نفسه على تفاصيل العمل والراحة والالتزامات الأسرية.

فالوقت الذي كان يمكن أن يُخصص للراحة أو إنجاز شؤون المنزل، يذهب في الانتظار والمشي، فيما تتراجع قدرة المواطن على التخطيط ليومه بثقة.

المصدر الوحيد للدخل

قبل أن تشرق الشمس على شوارع غزة، يستعد عادل عوض لبدء يوم عمل جديد. لا يقود سيارة أجرة حديثة، بل سيارة تجرّها عربة ذات عجلتين، تمثل مصدر دخله الوحيد والوسيلة التي يعتمد عليها لتأمين احتياجات أسرته.

لم يعد عوض يستمع إلى صوت المحرك باعتباره ضجيجًا عاديًا؛ فأي طقطقة غير مألوفة تثير قلقه، في ظل نقص الزيوت الصناعية وارتفاع أسعارها وصعوبة الحصول على قطع الغيار. بات يخشى أن يتحول عطل بسيط إلى خسارة تحرمه مصدر دخله.

يقول عوض لصحيفة "فلسطين": "أنا لا أخرج إلى الشارع لأن لدي خيارات كثيرة، بل لأنني أحتاج إلى لقمة العيش. هذه المركبة هي مصدر رزقي، وإذا تعطلت فلن أجد ما أعتمد عليه. أحيانًا أسمع صوتًا غريبًا في المحرك، فأظل أفكر: هل أواصل العمل أم أتوقف قبل أن يتفاقم العطل؟".

على جانب الطريق، ينتظر الركاب وسيلة تقلّهم إلى أعمالهم ومواعيدهم. يدرك عوض أن توقف مركبته لن يعني خسارة دخله وحده، بل سيحرم آخرين وسيلة نقل يحتاجون إليها، في وقت يضطر فيه كثيرون إلى المشي لمسافات طويلة بسبب تراجع المركبات العاملة.

ويضيف: "أصعب شيء أن تكون محتاجًا إلى العمل، لكنك تخاف من العمل نفسه. إذا توقفت، خسرت دخل اليوم، وإذا واصلت والمحرك يحتاج إلى الصيانة، فقد أخسر المركبة كلها. وفي الحالتين، أسرتي هي التي ستدفع الثمن".

ومع نهاية النهار، يعود عادل مثقلًا بالتعب والقلق بشأن الغد، متمنيًا أن تصمد مركبته يومًا آخر.

ويختصر معاناته قائلًا: "أريد فقط أن أعمل وأعود إلى بيتي بما يسد احتياجات أسرتي، من دون أن أخاف من كل صوت يصدر عن المحرك. فالناس ترى المركبة تسير، لكنها لا ترى القلق الذي يسير معها".

المصدر / فلسطين أون لاين