فلسطين أون لاين

انتخابات «إسرائيل الجديدة» (2/2): الأحزاب العربية ومعادلة تشكيل الحكومة

إذا كان التنافس بين معسكرَي بنيامين نتنياهو ومعارضيه يكشف عن أزمة القيادة وغياب البديل السياسي المتماسك، فإن الأحزاب العربية الفلسطينية تمثّل عاملاً إضافياً في معادلة الانتخابات الإسرائيلية، نظراً إلى قدرتها المحتملة على ترجيح الكفّة البرلمانية. غير أن هذه الأهمية الحسابية لا تعني امتلاكها نفوذاً مماثلاً في صنع القرار، في ظلّ انقساماتها الداخلية، ورفض قوى صهيونية رئيسية إشراكها في الحكومة.

الأحزاب العربية: انقسام سياسي وحدود مشتركة

تتوزّع الخريطة الحزبية العربية على أربعة تيارات رئيسة: «القائمة العربية الموحّدة» بقيادة منصور عباس، التي تتبنّى نهجاً براغماتياً يركّز على تحصيل الميزانيات والخدمات؛ و«التجمّع الوطني الديمقراطي»، الذي يطرح مفهوم الدولة لجميع مواطنيها ويربط المساواة بتغيير البنية السياسية والقانونية؛ و«الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة»، ذات الإرث اليساري والشيوعي؛ و«الحركة العربية للتغيير» بقيادة أحمد الطيبي، التي تجمع بين الخطاب الوطني الفلسطيني والمرونة في التعامل مع المؤسسات الإسرائيلية.

وعلى الرغم من التقاء هذه القوى حول قضايا يومية، مثل مكافحة الجريمة، وتطوير التعليم، وتحسين البنى التحتية، وتوسيع مناطق البناء في البلدات العربية، فإنها تختلف في كيفية تحقيق هذه المطالب وفي حدود المشاركة السياسية الممكنة. فبينما ترى بعض القوى في التعاون مع الأحزاب الصهيونية وسيلة لانتزاع مكاسب خدمية، تخشى قوى أخرى أن تتحول هذه المكاسب إلى بديل من المطالبة بالحقوق الجماعية والسياسية للفلسطينيين في الداخل.

وقد أسهم رفع نسبة الحسم الانتخابي من 2% إلى 3.25% عام 2014 في دفع الأحزاب العربية إلى تشكيل «القائمة المشتركة» عام 2015، التي حصلت على 13 مقعداً، قبل أن تتفكك لاحقاً نتيجة الخلافات بشأن المشاركة في الحكومة. وفي الانتخابات الحالية، تخوض «القائمة العربية الموحّدة» المنافسة منفردة، في حين تتكتل الأحزاب الثلاثة الأخرى تحت مظلة «القائمة المشتركة». ويهدد هذا الانقسام بتبديد جزء من القوة الانتخابية العربية، ولا سيما إذا ترافق مع تراجع المشاركة في الاقتراع.

الوزن البرلماني لا يعني المشاركة في الحكم

تتراوح التقديرات الواردة في المادة الانتخابية بين 11 و14 مقعداً للأحزاب العربية، مع احتمال ارتفاع العدد إلى 17؛ إذا توحّدت قوائمها. وهذه المقاعد قد تكون حاسمة في تحديد هوية الحكومة المقبلة، في ظل عجز المعسكرين اليهوديين المتنافسين عن ضمان أغلبية مستقلة من 61 مقعداً.

لكن المفارقة تكمن في أن الطرفين قد يحتاجان إلى الأصوات العربية حسابياً، فيما يتردد معظم قادتهما في قبول شراكة سياسية معها. ويضع ذلك المعارضة خصوصاً أمام معضلة واضحة: فإذا أرادت تشكيل حكومة من دون ضم الأحزاب العربية أو الاستناد إلى دعمها، فقد تجد نفسها عاجزة عن تأمين الأغلبية المطلوبة؛ أما إذا قبلت دعمها، فستواجه اتهامات خصومها لها بالارتهان لهذه الأحزاب، فضلاً عن الخلافات داخل مكوّناتها بشأن طبيعة العلاقة معها.

ومن الناحية البرلمانية، يمكن لامتناع النواب العرب عن التصويت في جلسة منح الثقة أن يؤثر في الحسابات المتعلقة بتشكيل الحكومة، ولا سيما لمصلحة أحزاب المعارضة؛ إذ لا يشترط القانون الإسرائيلي حصول الحكومة الجديدة على 61 صوتاً لنيل الثقة، بل يكفي أن تحظى بتأييد أغلبية المصوّتين، من دون احتساب الممتنعين. وفي المقابل، يُرجَّح أن تواجه الكتلة اليمينية تصويتاً رافضاً من الأحزاب العربية، بما قد يزيد صعوبة حشد الأصوات اللازمة لنيل الثقة، ويمنح المعارضة هامشاً أوسع للاستفادة من امتناع النواب العرب. أما حجب الثقة عن حكومة قائمة، فيخضع لآلية مختلفة تشترط تأييد 61 عضواً على الأقل لحكومة بديلة. ومع ذلك، فإن استفادة المعارضة من الامتناع العربي لا تعني بالضرورة مشاركة الأحزاب العربية في الحكم، ولا تضمن لها دوراً مؤثراً في القرارات الأمنية والسياسية الكبرى.

أزمة أعمق من تشكيل الحكومة

لا يمكن فصل محدودية تأثير الأحزاب العربية عن طبيعة النظام السياسي الإسرائيلي، الذي يعرّف نفسه بوصفه دولة يهودية، ويكرّس «قانون القومية» لعام 2018 حق تقرير المصير القومي فيها للشعب اليهودي حصراً. وفي ظل هذه البنية، لا يقتصر التحدي على توحيد القوائم العربية أو رفع نسبة التصويت، بل يتصل أيضاً بمدى استعداد الأحزاب الصهيونية لقبول شراكة سياسية حقيقية مع الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل.

وعليه، قد تفضي الانتخابات إلى إعادة ترتيب التحالفات من دون تغيير جوهري في بنية الحكم أو توجهاته. وقد يستمر نتنياهو في السلطة إذا أخفقت المعارضة في تشكيل ائتلاف، أو تتشكل حكومة بديلة تبقى خاضعة للتوازنات اليمينية والخلافات الأمنية والسياسية ذاتها. كما لا يُستبعد تعذّر تشكيل حكومة جديدة، بما يفتح الطريق أمام جولة انتخابية أخرى.

في المحصلة، *لا تكمن أهمية انتخابات «إسرائيل الجديدة» في تحديد مَن سيتولى رئاسة الحكومة فحسب، بل في اختبار حدود التغيير داخل نظام تتنافس قواه على الحكم*، فيما تتقاطع خلافاتها مع استمرار السياسات العسكرية والأمنية والإقصائية. أما الأحزاب العربية، فعلى الرغم من قدرتها المحتملة على ترجيح الكفّة، فإن انتقالها من موقع القوة الحسابية إلى موقع التأثير السياسي الفعلي يظلّ مشروطاً بتجاوز انقساماتها، وبفتح المجال أمام شراكة تتخطى حدود المكاسب الجزئية. ومن دون ذلك، قد تتغير الوجوه والتحالفات، فيما تبقى البنية الأساسية للأزمة على حالها.

المصدر / فلسطين أون لاين