فلسطين أون لاين

عام على اتفاق "وقف النار".. نازحو غزة يترقبون الشتاء بخيام مهترئة

...
عام على اتفاق "وقف النار".. نازحو غزة يترقبون الشتاء بخيام مهترئة
خان يونس/ تامر قشطة:

مع اقتراب فصل الشتاء، ينشغل النازح جواد حسن (47 عاماً) بترميم خيمته المهترئة في منطقة مواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، محاولاً تثبيت أعمدتها الحديدية وشدّ الشادر الذي يغطيها، أملاً في الحد من تسرب مياه الأمطار إلى الداخل، بعدما أمضى الشتاء الماضي مع أسرته المكونة من سبعة أفراد في مواجهة البرد والمياه داخل خيمة لا توفر لهم الحماية الكافية.

وبمساعدة بعض أهل الخير، تمكن حسن من الحصول على أعمدة حديدية وقطعة شادر، وبدأ أعمال الصيانة بما توافر لديه من إمكانات محدودة، في محاولة لاستباق موسم الشتاء الذي يترقبه مئات آلاف النازحين في القطاع، في حين لا تزال ظروفهم الإنسانية والمعيشية تراوح مكانها، على الرغم من مرور عام على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.

ويقول حسن لصحيفة "فلسطين" إن الخيمة التي تؤويه وعائلته أصبحت غير صالحة لمواجهة الظروف الجوية، وإنه يحاول ترميمها قدر المستطاع، خشية تكرار معاناة الشتاء الماضي حين كانت مياه الأمطار تتسرب إلى فراش أطفاله وأمتعتهم، دون وجود مكان بديل يحتمون به.

ويضيف أن العيش داخل الخيمة بات أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً مع تراجع القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية، بعدما فقد منزله المكون من ثلاثة طوابق في مدينة رفح، وكذلك متجره الذي كان يمثل مصدر رزقه الوحيد.

ويتابع أن العودة إلى منزله لا تزال متعذرة مع استمرار احتلال المناطق الواقعة خلف ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، وما يرافق ذلك من مخاوف تحول دون عودة النازحين إلى مناطقهم وممتلكاتهم.

ومع انعدام رأس المال ومكان العمل، باتت أسرته تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الإغاثية لتأمين احتياجاتها اليومية.

ولا تختلف معاناة حسن كثيراً عن أحوال جيرانه في منطقة المواصي، حيث تتشابه الخيام المتهالكة وتتكرر محاولات إصلاحها بوسائل بدائية، في ظل ضيق الحال وارتفاع أسعار مواد التغطية، وغياب البدائل التي تضمن للنازحين مأوى آمناً مع حلول البرد والأمطار.

63ffe779-c018-483d-be1d-34f5a5dfb422.jpg
 

من خياطة الملابس إلى ترقيع الخيام

وفي معسكر خان يونس، يقضي الخياط شعبان الطبش ساعات عمله في إصلاح الشوادر التي يستخدمها النازحون لتغطية خيامهم وترميم الأجزاء التالفة منها، بعدما اضطر إلى تغيير طبيعة مهنته التي مارسها لسنوات قبل حرب الإبادة.

ويقول الطبش لـ"فلسطين" إن غالبية زبائنه كانوا يقصدونه سابقاً لخياطة الملابس و"البناطيل"، لكن الحرب قلبت طبيعة عمله، وأصبح معظم ما يتلقاه من طلبات متعلقاً بترقيع الشوادر التي تمزقت بفعل الاستخدام الطويل والظروف الجوية.

ويشير إلى أن أسعار الشوادر ارتفعت إلى نحو 200 إلى 250 شيكلاً، وهو مبلغ يصعب على كثير من النازحين توفيره، ما يدفعهم إلى إصلاح القطع القديمة وترقيعها مراراً بدلاً من شراء أخرى جديدة، حتى إن بعض الخيام باتت تعتمد على أجزاء متفرقة من الشادر لا توفر حماية كافية من الرياح والأمطار.

ويضيف أن أجرة إصلاح الشادر تتراوح غالباً بين 10 و15 شيكلاً، مراعاةً لظروف الناس الصعبة، إذ يأتيه نازحون لا يملكون ثمن مواد جديدة، ويحاولون الحفاظ على ما تبقى من خيامهم بأقل التكاليف الممكنة.

ولا تقتصر آثار الحرب على طبيعة الطلبات التي يتلقاها الطبش، بل امتدت إلى وسائل العمل نفسها. فبعدما كان يعتمد على ماكينة خياطة تعمل بالكهرباء، اضطر إلى تعديلها لتعمل بالدواسة اليدوية، مع انقطاع التيار الكهربائي وعدم توافر مصادر الطاقة اللازمة لتشغيلها.

ويعمل معه ثلاثة أشخاص، لكن مردود العمل لا يكاد يكفي لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم. ويوضح أن حصيلة العمل اليومية قد تبلغ نحو 80 أو 90 شيكلاً، توزع بينهم، فلا يحصل كل واحد منهم إلا على مبلغ محدود لا يناسب أعباء المعيشة المتزايدة.

ويقول الطبش إن أوضاع سكان غزة "سيئة فوق ما يتصور الإنسان، مشيراً إلى أن كثيرين يعيشون في خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية، فيما يعاني آخرون، حتى داخل المباني الإسمنتية المتضررة، تسرب المياه وسقوط أجزاء من الأسقف، ويضطرون بدورهم إلى استخدام الشوادر لتغطية منازلهم.

ومع اقتراب الشتاء، لا يستطيع الطبش الجزم بقدرة الشوادر التي يصلحها على حماية العائلات من الأمطار والرياح، في ظل تدهور أوضاع المساكن واستمرار نقص الإمكانات. ويقول إن الناس يحاولون فعل ما يستطيعون، لكن أحداً لا يعرف كيف ستكون الأيام المقبلة.

a8eecefa-8d73-4fa3-829c-e1721cd514b8.jpg
 

عام على الاتفاق.. ومعاناة مستمرة

وتأتي هذه الاستعدادات المحدودة مع مرور عام على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، الذي كان يفترض أن يفتح الطريق أمام إنهاء المعاناة الإنسانية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، غير أن السكان يؤكدون أن حياتهم اليومية لا تزال محكومة بالخوف والنزوح وشح الموارد.

فبالنسبة إلى حسن، لم يغير مرور عام على الاتفاق واقع الأسرة التي فقدت منزلها ومصدر دخلها، ولا تزال تعيش في خيمة لا تقيها تقلبات الطقس، في حين تستمر الغارات الإسرائيلية وإطلاق النار، إلى جانب القيود والحصار، في إبقاء السكان تحت وطأة الخطر وعدم الاستقرار.

ويقول حسن إن معاناته لا تنفصل عن معاناة آلاف العائلات التي أجبرت على النزوح، وفقدت منازلها ومصادر رزقها، وتواجه اليوم تحديات متجددة مع انتقالها من الخوف من القصف إلى القلق من الشتاء، من دون أن تتوافر لها ضمانات حقيقية للعودة إلى حياة مستقرة.

وتلقي هذه الظروف بظلالها أيضاً على الأطفال، إذ يواجه أبناء حسن، الذين يدرسون في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، مسؤوليات تفوق أعمارهم، فيضطرون إلى الذهاب لجلب الطعام من "التكية" وتعبئة المياه وتأمين بعض الاحتياجات اليومية، إلى جانب محاولاتهم متابعة تعليمهم وسط ظروف النزوح القاسية.

ويقول إن أسرته تحاول التكيف مع واقعها الصعب، لكنها لا تزال تأمل في تحسن الأوضاع، وإنهاء المعاناة التي طالت منذ اندلاع الحرب، بما يتيح للنازحين العودة إلى منازلهم واستعادة مصادر رزقهم.

وبينما يواصل حسن تثبيت أعمدة خيمته، ويقضي الطبش ساعات في ترقيع الشوادر القديمة، تتلخص استعدادات كثير من سكان المواصي للشتاء في محاولات فردية لتقوية أغطية ممزقة، وإبعاد مياه الأمطار عن الفراش، وتدبير ما تيسر من مواد لا تكفي غالباً لتوفير مأوى آمن.

المصدر / فلسطين أون لاين