في زمن تتداخل فيه الرياضة بالرسالة الوطنية والإنسانية، يبرز رجال استثنائيون لا تقتصر بصماتهم على المناصب التي شغلوها، بل تمتد إلى القلوب التي لامسوها والأجيال التي تركوا فيها أثرا لا تمحوه السنوات.
ومن هؤلاء القامة الوطنية والتربوية والرياضية الشهيد نايف حمدي حسن الحطاب، المعروف بـ"أبو خالد"، رئيس نادي اتحاد الشجاعية، الذي جمع بين رسالة التعليم ومسؤولية العمل الرياضي، وأفنى سنوات عمره في خدمة الوطن والمجتمع والجيل الناشئ.
وُلد الحطاب في مدينة غزة يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول 1965، وشكّلت مسيرته نموذجا للرجل الذي حمل مسؤولياته بإخلاص، سواء في ميدان التربية والتعليم أو داخل المؤسسات الرياضية. فقد كان معلما ومربيا وإداريا امتلك الحكمة ورجاحة العقل، وسعى دائما إلى ترسيخ القيم والأخلاق في محيطه، واضعا المصلحة العامة في مقدمة أولوياته.
حصل على بكالوريوس اللغة العربية من كلية التربية بجامعة عدن في اليمن الشقيق، ثم التحق بسلك التعليم في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، وتدرج في مسؤولياته حتى أصبح مديرا لمدرسة ذكور البحرين في منطقة تل الهوى بمدينة غزة.
وخلال سنوات عمله التربوي، لم يكن الحطاب مجرد مسؤول يتابع الشؤون الإدارية للمدرسة، بل مربيا أدرك أهمية بناء شخصية الطالب وتعزيز وعيه وانتمائه. فحرص على غرس قيم الانضباط والأخلاق الحميدة وحب الوطن، مؤمنا بأن التعليم رسالة إنسانية تتجاوز حدود المناهج الدراسية، وأن المربي الحقيقي يترك أثرا يمتد إلى حياة الأجيال.
25 عاما في خدمة اتحاد الشجاعية
إلى جانب مسيرته التعليمية، ارتبط اسم نايف الحطاب بنادي اتحاد الشجاعية نحو 25 عاما، تقلد خلالها مناصب إدارية عدة، وأصبح أحد الوجوه البارزة في مسيرة النادي الذي يحظى بمكانة خاصة في كرة القدم الغزية، بفضل تاريخه الرياضي وقاعدته الجماهيرية الواسعة.
بدأ الحطاب رحلته الإدارية في النادي عبر مواقع متعددة، قبل أن يتولى أمانة سر مجلس الإدارة عام 2010، ثم منصب نائب رئيس النادي عام 2020، وصولا إلى رئاسة مجلس الإدارة في أغسطس/آب 2022، وهو الموقع الذي ظل يشغله حتى استشهاده.
وخلال هذه السنوات، واجه النادي تحديات إدارية ورياضية متعددة، في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها الرياضة الفلسطينية عموما، والرياضة في قطاع غزة خصوصا. وفي خضم تلك التحديات، برزت شخصية الحطاب بما امتلكته من هدوء وحكمة وقدرة على إدارة الملفات الحساسة، والحفاظ على استقرار المؤسسة وعلاقاتها مع محيطها الرياضي.
ولأن اتحاد الشجاعية ليس مجرد فريق كرة قدم بالنسبة إلى جماهيره، بل يمثل جزءا من هوية المنطقة وذاكرتها، فقد كانت مسؤولية إدارته تتطلب قدرة على التعامل مع الضغوط الجماهيرية وحساسية المنافسة. وهنا ظهر دور الحطاب بوصفه إداريا يسعى إلى احتواء الخلافات، وتغليب الحوار، والحفاظ على مكانة النادي ومسيرته.
محطة وطنية في نهائي كأس فلسطين
من أبرز المحطات التي ارتبطت باسم الشهيد نايف الحطاب، ترؤسه بعثة اتحاد الشجاعية التي توجهت إلى المحافظات الشمالية عام 2016، لمواجهة أهلي الخليل في نهائي كأس فلسطين، في حدث رياضي حمل أهمية وطنية تجاوزت حدود المنافسة على اللقب.
أقيمت مباراة الذهاب على ملعب اليرموك بمدينة غزة، فيما احتضنت مدينة الخليل مباراة الإياب، وسط اهتمام إعلامي واسع واستقبال جماهيري وجهد رسمي كبير. وجاءت المواجهة بعد انقطاع استمر قرابة 15 عاما عن إقامة المباريات الرسمية بين أندية المحافظات الجنوبية والشمالية، لتشكل محطة مهمة في مسار التواصل الرياضي الفلسطيني.
وكانت رئاسة البعثة مسؤولية تتطلب التنسيق والمتابعة والقدرة على التعامل مع متطلبات حدث استثنائي، في وقت كانت فيه الرياضة تؤدي دورا مهما في تعزيز التواصل بين أبناء الشعب الفلسطيني. وقد بقيت تلك المشاركة من المحطات البارزة في ذاكرة النادي، بما حملته من دلالات وطنية ورياضية.
الحكمة في مواجهة التحديات
في ملاعب غزة، تكتسب مباريات اتحاد الشجاعية زخما جماهيريا كبيرا، وترافق بعض المواجهات الحاسمة ضغوط وتحديات تتطلب من الإدارات التعامل معها بحكمة ومسؤولية. وكان الحطاب حاضرا في هذه التفاصيل، مستفيدا من خبرته الطويلة وقدرته على التواصل مع الروابط الرياضية والاتحادات والأندية المنافسة.
وسعى طوال مسيرته إلى نزع فتيل الأزمات واحتواء الخلافات، انطلاقا من إيمانه بأن الرياضة وسيلة للتقارب والمحبة، وأن المنافسة لا ينبغي أن تتحول إلى خصومة تتجاوز حدود الملعب. وقد انعكست هذه القناعة على أسلوبه الإداري، الذي جمع بين الحزم والهدوء والحرص على مصلحة النادي.
رحيل موجع وإرث باقٍ
على الصعيد الإنساني، عاش الحطاب مأساة الفقد خلال الحرب على غزة، بعدما ارتقى نجله الأكبر خالد شهيدا في الأيام الأولى للحرب. ثم لحق به والده شهيدا يوم الأربعاء الموافق 11 سبتمبر/أيلول 2024، في مجزرة مدرسة الجاعوني الخامسة بمخيم النصيرات، إثر قصف صاروخي استهدف المدرسة التي كان يشرف على مركز إيواء النازحين داخلها.
وبرحيله، فقدت الأسرة الرياضية والتعليمية في قطاع غزة شخصية كرّست حياتها لخدمة الأجيال والمؤسسات، فيما بقيت ذكراه حاضرة لدى أبناء نادي اتحاد الشجاعية الذين عبّروا عن وفائهم له بإهداء فوز فريقهم على أهلي بيت حانون بنتيجة 5-2 إلى روحه، ضمن منافسات بطولة كأس الألف شهيد التي ينظمها الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم.
رحل نايف الحطاب، لكن سيرته بقيت شاهدة على مسيرة جمعت بين التربية والرياضة والعمل الوطني، ورسّخت نموذجا للمسؤول المخلص الذي يجعل الأخلاق أساسا للإدارة، ويؤمن بأن بناء الإنسان وحماية المؤسسات مسؤولية لا تنفصل عن حب الوطن.
وسيظل اسم الشهيد نايف حمدي حسن الحطاب، "أبو خالد"، حاضرا في ذاكرة الرياضة الفلسطينية، رمزا للحكمة والإخلاص والوفاء، ورجلا ترك بصمته في المدارس والملاعب، ورحل بعدما أفنى عمره في خدمة مجتمعه وأجياله.