تواصل تركيا تعزيز قدراتها الدفاعية عبر تطوير منظومات محلية تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والقوة النارية، في خطوة تعكس توجه أنقرة نحو امتلاك أدوات أكثر تطورًا لحماية الشخصيات والمنشآت الحيوية ومواجهة التهديدات الأمنية المتغيرة.
وفي هذا السياق، تبرز مركبات الحماية الرئاسية التركية المزودة بأنظمة تسليح متطورة، إلى جانب منظومات مكافحة الطائرات المسيّرة التي تطورها الصناعات الدفاعية التركية، في ظل تنامي المخاطر التي تفرضها المسيّرات الصغيرة على المواكب والمنشآت الحساسة.
مركبات مدرعة وتسليح متطور ضمن موكب أردوغان
وأعلنت شركة «نورول ماكينة» التركية، في فبراير/شباط 2025، إدخال مركبات «يورك» (YÖRÜK) إلى أسطول الحماية الرئاسية، بعد توقيع عقد لتوريد 12 مركبة لصالح الرئاسة التركية.
وأوضحت الشركة أن المركبات أُدمجت ضمن مخزون إدارة الحماية الرئاسية، وتُستخدم في مهام داخل المجمع الرئاسي وخارجه، كما زُوّدت بنظام «سارب ظافر» (SARP ZAFER)، وهو نظام تسليح مُثبت ومتحكم به عن بُعد، طورته شركة «أسيلسان» التركية للصناعات الدفاعية.
ويمثل هذا التطور جانبًا من توجه تركيا نحو تعزيز حماية مواكبها الرسمية بمركبات تتمتع بالحركة والسرعة، وتتيح التعامل مع التهديدات الأمنية دون تعريض عناصر الحماية لمخاطر غير ضرورية.
هل يتعلق السلاح الجديد بمواجهة المسيّرات؟
في موازاة تطوير مركبات الحماية، تعمل الصناعات الدفاعية التركية على تطوير حلول متقدمة لمواجهة الطائرات المسيّرة، التي أصبحت من أبرز التحديات الأمنية والعسكرية في السنوات الأخيرة.
ومن أبرز هذه الحلول منظومة «درع المسيّرات» (Drone Kalkanı)، التي كشفت وكالة الأناضول تفاصيلها في تقرير نشرته في 26 سبتمبر/أيلول 2026، موضحة أنها تعتمد على مستشعرات بصرية وصوتية وخوارزميات ذكاء اصطناعي لرصد المسيّرات وتعقبها والتعامل معها.
وتتميز المنظومة بقدرتها على اكتشاف الأهداف وتصنيفها وتتبعها، مع إمكانية تركيبها على مركبات برية وبحرية ومنشآت ثابتة. ووفقًا للمعلومات المنشورة، يصل مدى تتبع الأهداف إلى نحو 600–800 متر، فيما تبلغ مسافة الاشتباك المعلنة نحو 150 مترًا.
ويهدف هذا النوع من الأنظمة إلى مواجهة المسيّرات الصغيرة، بما فيها المسيّرات التي يصعب تعطيلها بالتشويش الإلكتروني، من خلال الجمع بين تقنيات الاستشعار والذكاء الاصطناعي ووسائل الاعتراض المادي.
لكن لا تتوافر في المعلومات المنشورة التي جرى التحقق منها أدلة تؤكد أن منظومة «درع المسيّرات» هي نفسها السلاح الجديد المستخدم في حماية أردوغان، أو أنها أُدمجت بالفعل في موكبه الرئاسي. لذلك، ينبغي عدم الخلط بين الأنظمة المثبتة في مركبات الحماية الرئاسية والمنظومات التركية الأوسع المخصصة لمكافحة المسيّرات.
«تولغا».. دفاع متعدد الطبقات ضد التهديدات الجوية
ومن بين الأنظمة التركية الأخرى، تبرز منظومة «تولغا» (TOLGA) للدفاع الجوي القريب، التي تطورها شركة الصناعات الميكانيكية والكيميائية التركية، ضمن بنية الدفاع الجوي المعروفة باسم «القبة الفولاذية».
وتوضح الشركة أن المنظومة صُممت لحماية القوات البرية والمنشآت الحيوية والقواعد والمواقع الحساسة والقوافل المتحركة، وتعتمد على مستشعرات ورادارات وأنظمة تشويش إلكتروني، إلى جانب وسائل تسليح مختلفة للتعامل مع التهديدات الجوية.
وتعمل «تولغا» وفق مستويين دفاعيين؛ الأول يعتمد على التشويش الإلكتروني لتعطيل بعض المسيّرات، والثاني يقوم على اعتراضها ماديًا باستخدام أسلحة وذخائر مخصصة. ويمنح هذا الدمج المنظومة مرونة أكبر في التعامل مع أنواع مختلفة من التهديدات، بدل الاعتماد على وسيلة واحدة للحماية.
الصناعات الدفاعية.. ركيزة صعود تركيا
وتعكس هذه التطورات مساعي أنقرة إلى تعزيز الاعتماد على التكنولوجيا المحلية في المجال الدفاعي، من خلال تطوير المركبات والأنظمة الإلكترونية والرادارات والأسلحة والذخائر داخل البلاد.
وتكمن أهمية هذا التوجه في أن امتلاك منظومات محلية يمنح الدولة قدرة أكبر على تطوير تجهيزاتها وفق احتياجاتها الأمنية، وتقليل الاعتماد على الموردين الخارجيين، فضلًا عن فتح المجال أمام تصدير التقنيات الدفاعية إلى الأسواق الدولية.
كما أن دمج أنظمة الاستشعار والذكاء الاصطناعي والتشويش الإلكتروني مع وسائل الاعتراض يعكس تحولًا في طبيعة الصناعات العسكرية، حيث لم تعد القوة تقاس بالتسليح وحده، بل بقدرة الأنظمة المختلفة على تبادل المعلومات والاستجابة للتهديدات المتغيرة.
وبذلك، تعزز تركيا موقعها بوصفها دولة ذات قاعدة صناعية دفاعية متنامية، تسعى إلى توسيع استقلاليتها التكنولوجية وتطوير قدراتها العسكرية والأمنية. غير أن وصفها بأنها «قوة عظمى» يظل تقييمًا أوسع يرتبط بعوامل أخرى، تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات والنفوذ السياسي، ولا يمكن حسمه بمجرد امتلاك أنظمة تسليح متطورة.
وفي المحصلة، فإن المركبات المخصصة للحماية الرئاسية، إلى جانب منظومات مكافحة المسيّرات والدفاع الجوي القريب، تكشف عن اتجاه تركي نحو بناء شبكة حماية أكثر تطورًا وتعددًا في الوسائل، بما يعزز قدرة البلاد على التعامل مع التحديات الأمنية الحديثة.