فلسطين أون لاين

سلوك (إسرائيل) الأمني.. إستراتيجية أمنية جديدة أم صدمة إستراتيجية؟

لم يكن السابع من أكتوبر حدثًا أمنيًا عابرًا في سجل "إسرائيل"، بل كان اليوم الذي انكشف فيه أن ما ظنّته عقيدة صلبة لم يكن سوى وهم، وبعد ثلاث سنوات من بطش "إسرائيل" في جبهات متعددة، فسّره الكثيرون على أنه استراتيجية أمنية جديدة، لكن باعتقادي أنها ما زالت تتخبط في أثر الصدمة وتسمّي تخبطها إستراتيجية.

لقد قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية، منذ بن غوريون، على أربعة أعمدة: الردع، والإنذار المبكر، والحسم السريع، ونقل المعركة إلى أرض الخصم، وفي ساعات قليلة سقطت الأعمدة الأربعة معًا، تبيّن أن الردع لا يوقف خصمًا مستعدًا لدفع الثمن، وأن أقوى أجهزة الاستخبارات في المنطقة أُسرت داخل ظنّها أن حماس مردوعة، فلم تخطئ في جمع المعلومات بقدر ما أخطأت في فهم عقل خصمها.

ثم جاءت الحرب لتهدم ما بقي: فبعد نحو عامين من القتال لم يتحقق الحسم الموعود، وانفتحت جبهات من غزة إلى لبنان واليمن والعراق وإيران، أما التكنولوجيا التي بنت عليها إسرائيل إحساسها بالتفوق، فقد عطّلتها وسائل بسيطة زهيدة الكلفة.

وكانت ردة الفعل الإسرائيلية بالانتقال من «جزّ العشب» إلى محاولة الاجتثاث، ومن الرد على التهديد إلى الضرب قبل أن يتشكّل، ومن الدفاع خلف السياج إلى فرض مناطق عازلة تتمدد مع مخاوفها، ومن مواجهة الخصوم متفرقين إلى المواجهة دفعة واحدة.

قد يبدو هذا كله، من بعيد، عقيدة جديدة متماسكة. غير أن الإستراتيجية الحقيقية تبدأ بتحديد الأهداف، ثم تزن الإمكانات، ثم تحسب الكلفة، لكن ما نراه هو سلوك عدواني غير متناسب مع قدرة إسرائيل العسكرية ولا مع جغرافيتها الضيقة وعمقها البشري المحدود.

فدولة صغيرة تقاتل على جبهات متعددة بجيش احتياط يستنزف اقتصادها ومجتمعها لا تمارس استراتيجية، بل تُدار بمنطق الخوف من الضربة القادمة، وكلما اتسعت المساحات التي تعدّها ضرورية لأمنها، اتسعت الجبهات المطلوب منها ضبطها، وارتفعت الكلفة، وابتعد الأمن الذي تلاحقه.

وهنا يتجلى التناقض الأكبر؛ تتحدث إسرائيل عن الاعتماد على الذات، وعن حرية قرار لا تنتظر فيه إذنًا من أحد، لكنها تخوض حربًا مفتوحة لا تقوى على مواصلتها بلا السلاح والمال والغطاء السياسي الأمريكي.

ويشتد هذا التناقض حين يصل الأمر إلى إيران، فالمواجهة معها تتجاوز قدرة إسرائيل وحدها، وتحتاج فيها إلى واشنطن في الاعتراض والإمداد والردع.

ولا يمكن فهم هذا السلوك دون النظر إلى العقلية التي تحكمه، فهي عقلية استعلائية ترى في القوة جوابًا عن كل سؤال، وتتعامل مع كل الأزمات المحيطة بها بعقلية أمنية بحتة.

عندما تجتمع هذه العقلية مع آثار الصدمة التي تلقتها في أكتوبر 2023م، نجد تخبطًا إسرائيليًا واضحًا، فهي تخشى أن يتكرر السيناريو من مكان آخر، فنجدها تشكك في كل الدول المحيطة بها.

ولعل الأثر الأعمق للسابع من أكتوبر ليس عسكريًا أصلًا، لقد وضع إسرائيل أمام سؤال ظنّت أنها تجاوزته منذ عقود: هل هي كيان متجذّر في المنطقة، أم مشروع طارئ عليها لا يقف على قدميه إلا بسلاح متفوق وغطاء دولي دائم؟ وعزلتها المتزايدة، وتراجع صورتها في الرأي العام العالمي، وانقسامها الداخلي حول الحرب ومآلاتها، كلها شواهد على أن الأمن الذي تطلبه بالقوة المحضة يبتعد كلما اقتربت منه.

الخلاصة أن إسرائيل لم تبنِ استراتيجية أمنية جديدة بقدر ما دخلت صدمة استراتيجية، وصارت تتصرف بمنطقها، قد تحقق تفوقًا عملياتيًا هنا وهناك، لكنها لا تحقق أمنًا مستدامًا، والتاريخ يعلّمنا أن القوة التي تتمدد بدافع الخوف تستهلك نفسها في النهاية، وأن من يحاول ضمان أمنه بإفناء كل احتمال للتهديد يصنع بيده الجولة التالية من الصراع.

المصدر / فلسطين أون لاين