بعد ليلة عصيبة ودامية عاشها النازحون والأهالي في الخيام ومراكز الإيواء الملاصقة لشارع صلاح الدين على مدخل حي الشجاعية شرق مدينة غزة، تخللها إطلاق نار كثيف فجر أمس من آليات جيش الاحتلال وطائرات "كواد كابتر" تجاه الخيام، ما تسبب بموجة نزوح كبيرة.
عاد النازحون في الصباح ليجدوا المكعبات الصفراء قد تقدمت لتصبح على شارع صلاح الدين، ما جعلها تبعد عشرات الأمتار عن خيام النازحين في "متنزه الشجاعية" أو مركز إيواء مدرسة "ابن الهيثم".
وبفعل الخط الأصفر يحصر الاحتلال الغزيين في 40% من مساحة القطاع الإجمالية البالغة 365 كيلو مترا مربعا، لتكون المساحة المتاحة للغزيين نحو 146 كيلو مترا مربعا.
على مدخل مخيم مدرسة "ابن الهيثم" تجلس أنعام عرفات برفقة مجموعة من النساء تملأ الحيرة ملامحها، في حين تحمل صغيرها بين ذراعيها، مع اقتراب المسافة بينها وبين الخط الأصفر لحدود ثلاثين مترًا فقط، بعدما قدم الاحتلال المكعبات فجر أمس لتصبح على مدخل حي الشجاعية على شارع صلاح الدين، موازيا بالتقدم الذي أحدثه قبل مدة عندما قدم المكعبات على مدخل حي التفاح على الشارع نفسه، ما يؤشر على مساعي الاحتلال لجعل شارع صلاح الدين الحد الفاصل للخط الأصفر، ما سيسبب موجة نزوح وتهجير كبيرة للأهالي، فضلا عن إطلاق النار المستمر.
عاشت عرفات وآلاف النازحين الذين يسكنون على مقربة من مدخل حي الشجاعية ليلة دامية، بدأت مبكرًا بإصدار الاحتلال لأوامر إخلاء لمبنى مجاور للمخيم بعد صلاة العصر، وتروي لصحيفة "فلسطين": "لحظة صدور أمر الإخلاء تركنا خيامنا وتجمعنا في أماكن أبعد، وبعد نصف ساعة حدث الاستهداف وتطاير الدخان والشظايا التي وصلت إلى المخيم ومزقت الخيام".
وأضافت بعدما صعدت لمكان خيمتها على سطح مبنى مدمر داخل مركز إيواء ما يجعله عرضة للرصاص: "عدنا فوجدنا المكان قد تغير، والخيام تمزقت".
العائلات تكفنت وهي حيّة
وبينما اعتقدت عرفات أن الأمر سينتهي عند ما سبق، كان للاحتلال قرار آخر بعد منتصف الليل، تستعيد التفاصيل التي وصفتها بأهوال "يوم القيامة" قائلة: "بدأ إطلاق نار كثيف وأصوات انفجارات، تغطينا بأغطية شتوية سميكة لحمايتي وحماية أطفالي من الشظايا التي وصلت للمكان، إضافة للرصاص الكثيف الذي استمر أربع ساعات.
مع تقدم المكعب زادت مخاوفنا لكن لا يوجد مكان نذهب إليه وكانت أشبه بكفن، لذلك سنبقى في هذا الخطر".
كان والدها رائد عرفات يقف على سطح مبنى مدمر في مخيم الإيواء، محاطًا بخيمتين طالتهما آثار القصف؛ تمزقت إحداهما بالكامل، في حين اخترقت الشظايا جوانب الأخرى وسقفها، ولم يبقَ أمامه سوى وضع شادر وغطاء شتوي في محاولة لترميم ما يمكن ترميمه.
يقول عرفات إن ليلة صعبة عاشها وعائلته، وسبقها أول أمس يوم صعب عندما استهدفت طائرات الاحتلال عمارة في شارع عمر المختار بأربعة صواريخ ما اضطرهم إلى إخلاء المكان.
وأضاف بحسرة لصحيفة "فلسطين": "لم أستطع الابتعاد كثيرًا، وشاهدت الصواريخ تسقط فتدمرت الخيمة من قوة الانفجار. انتظرت حتى الصباح لأعيد نصب الخيام، لكنني وجدت إحداها مدمرة".
ويتابع أن الخوف تضاعف مع تقدم قوات الاحتلال ووضع المكعبات الصفراء على شارع صلاح الدين فجر أمس، خلال ساعات وصفها بالأصعب، إذ ظل قلبه معلقًا بمصير ابنتيه وأطفالهن، من دون أن يتمكن من فعل شيء لحمايتهن.
ويقول: "ظللت أطلب منهم أن يخفضوا رؤوسهم ويناموا، لكننا لم نصدق أن الليل انتهى حتى طلع النهار، وعندها عدنا إلى المكان لنجد الخيام والشوادر ممزقة أكثر".
وبين آثار القصف ومحاولات إصلاح ما تبقى من مأوى عائلته، يناشد عرفات الجهات المعنية تقديم المساعدة، مع ما خلفه القصف من أضرار لحقت بخيامهم.
أما منى مرشود التي تسكن بخيمة في موقع متقدم داخل مركز الإيواء، فاضطرت من هول الموقف مع توالي زخات الرصاص وتقديم الاحتلال المكعبات الصفراء على مدخل حي الشجاعية، إلى ترك ثلاثة من أبنائها داخل الخيمة، في حين اصطحبت اثنين للخارج، وفي أثناء خروجها تعرضت لإطلاق نار مباشر من طائرة "كواد كابتر" فأغمي عليها.
وتحكي مرشود لصحيفة "فلسطين": "لم أستطع إلا حمل طفلين وخرجت زحفا وكان الاحتلال يقصد إطلاق الرصاص المباشر تجاهنا، وبقي أطفالي الثلاثة مذعورين داخل الخيمة.
غبت عنهم ساعة وبعدما أفقت عدت إليهم ووجدتهم في حالة خوف وصراخ وكانوا يرتجفون، وبقيت محاصرة معهم لأربع ساعات، كما أن ابنة جارتي أصيبت بحالة هستيريا لم نستطع تهدئتها".
وبينما تضرب كفيها قالت: "ماذا فعلنا حتى نتعرض لكل هذه المعاناة ونعيش كل هذا الظلم؟ حياتنا تمضي نحو الأسوأ".
رعب متواصل
وقبل أن تروي إيمان زينة تفاصيل الليلة الدامية، وقع انفجار قريب هز المنطقة، وبالرغم من تكرار هذه الأصوات التي يعيشها الأهالي خاصة النساء والأطفال كأنهم يعيشون الخوف لأول مرة، وتقر زينة أنها باتت "تخشى من قدوم الليل، من شدة الخوف والتوتر".
وتقول زينة لصحيفة "فلسطين": "في كل ليلة نسمع أصوات انفجارات. الليلة الماضية لم أستطع رفع رأسي واحتميت بالوسادة والأغطية وذلك لتبريد وصول الشظية لأجسامنا، وفعلت ذلك مع أطفالي. وهكذا نضحك على أنفسنا ونتوهم أن هذه الطريقة قد تحمينا وتبرد الشظايا قبل وصولها لأجسادنا".
كانت سوزان الشياح تجلس بجانب خيمتها في المخيم، وتروي أنه حين دوّى انفجار عنيف عصر أول أمس، خلّف حالة من الهلع بين النازحين، وتطايرت شظاياه لتُحدث ثقوبًا في خيمتها، في حين تصاعد الدخان حتى حجب الرؤية في المكان.
وتحكي لصحيفة "فلسطين" عن لحظات الرعب قائلة: "كنا نجلس بأمان، وفجأة طلبوا منا الخروج، ثم وقع انفجار قوي غطّى المدرسة والمخيم والمتنزه، حتى أصبحنا عاجزين عن رؤية بعضنا بعضًا من شدة الدخان".
وبينما لا تخفي ملامحها علامات الخوف من المجهول القادم مع اقتراب المكعبات الصفراء منهم، تستحضر تفاصيل الليلة الدامية فجر أمس: "قرابة الساعة الثانية ليلًا، كان إطلاق الرصاص كثيفًا جدًا، كأنه المطر، ولم نتوقع أن يكون الأمر بهذه الشدة، فهذه أول مرة نشهد فيها حدثًا بهذا الشكل".
ولم تقتصر آثار القصف على بث الخوف بين النازحين، بل امتدت إلى خيامهم التي امتلأت بالثقوب وتضررت جوانبها، لتتفاقم معاناتهم في ظروف النزوح القاسية.
بقربها، كان الطفل معتز مرشود يحمل شظايا بحجم كفة اليد مزقت خيمته بعدما سقطت عليها في أثناء نومه خلال عملية تقديم المكعبات.
في شارع عمر المختار، كان عماد الحرازين يضع بقايا أمتعته ومستلزماته على عربة يحاول النزوح من المكان، بعدما دمر القصف الذي وقع عصر أول أمس واستهدفت بناية مجاورة بأربعة صواريخ خيمته، ويقول لصحيفة "فلسطين" بمرارة: "لم يبق لدينا شيء، فذهب المكان ودمرت الخيمة.
والآن تقدمت المكعبات وأصبحت على شارع صلاح الدين ما يجعل الخطر كبيرا"، لافتا، إلى معاناتهم الكبيرة منذ عدة أسابيع نتيجة تفجير الاحتلال لعربات مفخخة في ساعات الليل.
وبينما يظهر مشهد الدمار الكبير لحي الشجاعية وكأن الموت والصمت يملآن المكان، تدب الحياة على بعد عشرات أمتار في شارع عمر المختار، إذ تفتح المحال أبوابها، ليؤكد الفلسطينيون تمكسهم بإرادة البقاء والحياة على الرغم من اقتراب الخطر.