لم يعد وقف إطلاق النار في غزة قادرًا على وقف الخروقات الإسرائيلية المتواصلة، في حين تتحول أوامر الإخلاء والقصف المتجدد إلى أدوات لفرض وقائع ميدانية جديدة، وسط غياب ضغط دولي فاعل يضمن حماية المدنيين.
ومع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، يتصاعد القلق من توظيف التصعيد العسكري في حسابات المنافسة الداخلية، على حساب حياة الفلسطينيين، في حين يهدد الصمت الأميركي بتقويض ما تبقى من مصداقية الاتفاق، وتحويله من مدخل لإنهاء الحرب إلى غطاء لاستمرارها بأشكال أخرى.
ويشهد أكتوبر الجاري استمرارًا للهجمات الإسرائيلية في القطاع، بالتوازي مع أوامر إخلاء ونزوحٍ متكرر. ففي مساء 10 أكتوبر، دمرت غارات إسرائيلية أربعة منازل في مدينة غزة ودير البلح، وألحقت أضرارًا بعشرات المباني المحيطة، كما وجهت إنذارات إخلاء إلى مناطق سكنية، ما شرد عشرات العائلات إلى المجهول.
وفي اليوم نفسه، تزامنًا مع الذكرى السنوية الأولى لوقف إطلاق النار، قتلت دولة الاحتلال ثمانية مواطنين على الأقل، بينهم طفلة في الثامنة، في هجمات إسرائيلية متفرقة. وذكرت وزارة الصحة في غزة أن 1488 مواطنا استشهدوا و5,280 أُصيبوا منذ بدء وقف النار في 10 أكتوبر 2025، وأن الحصيلة الإجمالية منذ 7 أكتوبر 2023 بلغت 74377 شهيدًا.
وعلى مستوى الدمار الأوسع، قالت الأمم المتحدة في أغسطس إن نحو 82 في المائة من مباني غزة، أي قرابة 200 ألف مبنى، تعرضت للضرر، وإن نحو ثلثي هذه المباني مدمرة. وذكر التقرير الأممي أن الدمار ازداد بنحو 10 في المائة منذ وقف إطلاق النار.
وفي المقابل، وصفت أكثر من مائة منظمة إنسانية وحقوقية وقف النار، في بيان نشرته منظمة العفو الدولية في 9 أكتوبر، بأنه قائم بالاسم فقط، مشيرةً إلى استمرار الاحتلال في القتل والإصابة والقيود على المساعدات ومعدات إعادة الإعمار.
"اتفاق حبر على ورق"
ويرى الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل، أن استمرار القصف الإسرائيلي وأوامر الإخلاء يضع المدنيين في غزة أمام خيارين كلاهما محفوف بالخطر: البقاء في منازل قد تُستهدف أو النزوح إلى أماكن مكتظة لا يتوافر فيها الحد الأدنى من الأمان والخدمات.
ويقول عوكل لصحيفة "فلسطين": "حين يتكرر القصف ويُجبر السكان على مغادرة أحيائهم، يصبح وقف إطلاق النار اسمًا بلا مضمون. لقد تحول إلى اتفاق وهمي وتضليلي للعالم، لأن الخروقات الإسرائيلية المستمرة تنقض جوهره كل يوم".
ويضيف أن أثر التصعيد لا يقتصر على الخسائر البشرية المباشرة، بل يمتد إلى تفكيك الحياة اليومية وإضعاف قدرة العائلات على الصمود. فالنزوح المتكرر، وفق النص، يعني خسارة المسكن وما تبقى من الممتلكات، وتعطّل التعليم والعمل، وتفاقم صعوبة الحصول على الماء والغذاء والرعاية الصحية.
وعلى الصعيد السياسي، يحذر عوكل من أن استمرار الخروقات الإسرائيلية يضعف فرص التوصل إلى وقف شامل ونهائي لإطلاق النار، ويجعل أي تفاوض عرضة لفقدان الثقة. كما يرى أن الهدوء المؤقت قد يتحول إلى غطاء لفرض وقائع ميدانية جديدة، بدل أن يكون خطوة نحو حماية المدنيين وإنهاء الحرب.
ويضيف: "لا يمكن بناء مسار سياسي جدي على تفاهمات لا تُحترم على الأرض. حين يشعر الناس أن الاتفاق لا يحميهم، تتآكل الثقة به وبالجهود التي ترعاه".
ويشير عوكل إلى أن انشغال العالم بأزمات وصراعات أخرى قد يقلل الضغط السياسي والإعلامي على الاحتلال، ويقول: "حين تتراجع غزة عن شاشات العالم، لا يتراجع الخطر عن أهلها؛ بل تتسع مساحة الحركة أمام من يفرض الوقائع بالقوة. المطلوب ألا يصبح تراجع الاهتمام الدولي فرصة لتطبيع الخروقات أو التعامل معها كأنها أمر اعتيادي".
دعاية انتخابية
ويربط الخبير في الشأن الإسرائيلي وديع أبو نصار، خلال حديثه مع صحيفة "فلسطين" بين تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة والحسابات السياسية الداخلية في دولة الاحتلال مع اقتراب الانتخابات المرتقبة. لكنه يشدد على أن تفسير التصعيد لا ينبغي أن يُختزل في عامل انتخابي واحد، لأن القرارات العسكرية تتداخل فيها اعتبارات الحكومة والائتلاف الحاكم والضغوط الميدانية.
ويقول أبو نصار: "كلما اقترب الاستحقاق الانتخابي، يزداد إغراء توظيف الأمن في المنافسة السياسية؛ وقد يسعى السياسيون إلى الظهور بمظهر الأكثر تشددًا، حتى لو دفع المدنيون في غزة ثمن الرسائل الموجهة إلى الناخب الإسرائيلي".
ويضيف أن الخطاب المتشدد قد يُستخدم لتأكيد السيطرة أو إظهار الحزم أمام الجمهور الإسرائيلي، لكن ذلك لا يفسر وحده كل قرار ولا يخفف من تبعاته على السكان. ويتابع: "المدنيون ليسوا أدوات في حملة انتخابية ولا ينبغي أن يتحولوا إلى رسائل متبادلة بين السياسيين".
وينتقد أبو نصار صمت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إزاء الخروقات، ويرى أن رعاية اتفاق وقف إطلاق النار تقتضي متابعة تنفيذه والضغط لضمان احترامه. ويقول: "إذا كان وقف النار مدعومًا أميركيًا، فلا يكفي إعلان الرعاية؛ المطلوب استخدام النفوذ لضمان احترامه. الصمت في مواجهة الخرق لا يبدو حيادًا، بل يضعف الاتفاق ويترك المدنيين وحدهم أمام نتائجه".