تصاعدت حدة الخلاف بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، على خلفية إصرار كييف على استهداف مصافي النفط الروسية، في وقت يرى فيه ترمب أن هذه الهجمات تسهم في ارتفاع أسعار الوقود عالمياً، بينما تعتبرها أوكرانيا وسيلة للحد من قدرة موسكو على مواصلة الحرب.
وفي أحدث مؤشر على اتساع الخلاف، دعا ترمب زيلينسكي إلى وقف الهجمات على منشآت الوقود الروسية، معتبراً أن استمرارها يتسبب في مشكلات لأسواق الطاقة، كما ذهب إلى حد الدعوة إلى اختيار رئيس جديد لأوكرانيا، متهماً زيلينسكي بعدم السعي إلى إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق مع روسيا.
وجاءت تصريحات ترمب عقب إعلانه التوصل إلى اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن توريد كميات كبيرة من الديزل الروسي إلى الأسواق، في خطوة أثارت مخاوف كييف من تداعياتها السياسية والاقتصادية، واحتمال منح موسكو موارد إضافية لمواصلة حربها.
استهداف المصافي ورقة ضغط أوكرانية
وتعد أوكرانيا مصافي النفط ومنشآت الوقود الروسية جزءاً من البنية التحتية التي تدعم العمليات العسكرية لموسكو، وترى أن استهدافها يحد من قدرة القوات الروسية على الحصول على الوقود اللازم لمواصلة الحرب.
وكانت وزارة الدفاع الأوكرانية أعلنت أن الهجمات التي استهدفت مصافي النفط الروسية أدت إلى تعطيل 51% من طاقة التكرير في روسيا، فيما أقر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، مطلع تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بأن هذه الضربات كبدت بلاده خسائر اقتصادية بلغت نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق ما أورده التقرير.
وتعرضت مصافٍ روسية عدة لهجمات متكررة بالطائرات المسيّرة، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، ما أدى إلى أضرار في منشآت التكرير واضطرابات في إمدادات الوقود، وسط تقديرات بأن استمرار الهجمات قد ينعكس على أداء هذه المنشآت على المدى الطويل.
في المقابل، تتهم إدارة ترمب كييف بالمساهمة في ارتفاع أسعار الوقود، ولا سيما الديزل، الذي يمثل عنصراً أساسياً في سلاسل النقل والإمداد والقطاع الزراعي.
أسعار الوقود تضغط على ترمب
وتواجه الإدارة الأمريكية ضغوطاً داخلية على خلفية ارتفاع أسعار الديزل، بالتزامن مع تداعيات الحرب الأمريكية على إيران واضطراب أسواق الطاقة العالمية.
وبحسب جمعية السيارات الأمريكية، بلغ متوسط سعر غالون الديزل في الولايات المتحدة 6.28 دولارات، مقارنة بـ3.68 دولارات قبل عام، وهو ارتفاع يضع الحزب الجمهوري أمام تحديات سياسية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
وفي 13 أيلول/سبتمبر الماضي، دعا ترمب زيلينسكي إلى وقف استهداف منشآت الديزل الروسية، معتبراً أن هذه الهجمات تتسبب في نقص الوقود وتضر بالأسواق العالمية.
وجدد الرئيس الأمريكي موقفه لاحقاً، مؤكداً أن الهجمات على المصافي الروسية يجب أن تتوقف، ومتهماً زيلينسكي بالتسبب في مشكلات اقتصادية تتجاوز حدود الصراع بين روسيا وأوكرانيا.
وأعلن ترمب، عقب اتصاله ببوتين، التوصل إلى اتفاق لتوفير كميات كبيرة من الديزل الروسي للأسواق، في مسعى قال إنه يهدف إلى تخفيف أزمة الوقود واحتواء ارتفاع الأسعار.
غير أن الاتفاق أثار غضباً أوكرانياً، إذ تخشى كييف أن يؤدي تخفيف القيود على صادرات الوقود الروسية إلى تعزيز الموارد المالية لموسكو، فضلاً عن إضعاف الموقف الأوكراني في أي مفاوضات مقبلة.
تهديدات أمريكية بشأن المعلومات الاستخباراتية
ولا يقتصر الخلاف بين واشنطن وكييف على استهداف منشآت الطاقة، بل يمتد إلى احتمال استخدام الإدارة الأمريكية تعاونها الاستخباراتي مع أوكرانيا ورقة ضغط لدفعها إلى تغيير استراتيجيتها العسكرية.
وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر طالبا الوفد الأوكراني، خلال محادثات في مدينة ميامي، بالاستجابة لمطالب ترمب ووقف الهجمات على المصافي الروسية، مع الإشارة ضمناً إلى احتمال وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية.
لكن مسؤولاً أمريكياً نفى للصحيفة توجيه تهديد مباشر إلى أوكرانيا بوقف تبادل المعلومات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى كييف، التي تعتمد على المعلومات الاستخباراتية الأمريكية في تحديد الأهداف ومتابعة التحركات العسكرية الروسية، في ظل استمرار الحرب وتفاوت الإمكانات العسكرية بين الطرفين.
وحذر الكاتب ديفيد فروم، في مجلة «ذي أتلانتيك»، من أن قطع المعلومات الاستخباراتية الأمريكية عن أوكرانيا من شأنه إلحاق أضرار ملموسة بقدراتها العسكرية، ولا سيما إذا نجحت موسكو في إقناع ترمب باتخاذ هذه الخطوة.
تقارب أمريكي روسي يثير مخاوف كييف
وفي موازاة الخلاف بشأن مصافي النفط، تثير التحركات الأمريكية الروسية تساؤلات بشأن مستقبل السياسة الأمريكية تجاه موسكو، خصوصاً مع استمرار المساعي الرامية إلى التوصل لتسوية سياسية للحرب.
وأعلن الكرملين أن ترمب وبوتين اتفقا على مواصلة الاتصالات المباشرة وتعزيز التعاون بين المؤسسات والأجهزة الاستخباراتية في البلدين.
كما كشفت تقارير صحفية أمريكية عن ارتباط المفاوضات المتعلقة بإنهاء الحرب بمقترحات بشأن الأصول الدولية لشركة النفط الروسية العملاقة «لوك أويل»، في إطار ترتيبات تجارية محتملة يشارك فيها مستثمرون تربطهم علاقات سياسية أو تجارية بعائلة ترمب ومبعوثيه.
وأثارت هذه التقارير تساؤلات بشأن احتمال تضارب المصالح، في ظل ارتباط بعض الأطراف المشاركة في جهود التسوية بمصالح استثمارية وتجارية محتملة تتصل بالصفقات المطروحة.
من جهته، اعتبر زيلينسكي، وفق بيان للسفارة الأوكرانية في واشنطن، أن المفاوضين الأوكرانيين استُخدموا غطاءً للمضي في الاتفاق مع موسكو، في إشارة إلى مخاوف كييف من اتخاذ قرارات تتعلق بمستقبل الحرب ومصالحها من دون ضمانات كافية لها.
وتشير هذه التطورات إلى اتساع التباين بين واشنطن وكييف بشأن إدارة الحرب وأولويات المرحلة المقبلة، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى احتواء أزمة الطاقة والتوصل إلى تسوية سياسية، بينما تتمسك أوكرانيا بالضغط العسكري على روسيا للحفاظ على أوراقها التفاوضية.