فلسطين أون لاين

الصين توظف الذكاء الاصطناعي الأمريكي في تطوير قدراتها العسكرية رغم قيود واشنطن

...
الصين توظف الذكاء الاصطناعي الأمريكي في تطوير قدراتها العسكرية رغم قيود واشنطن

كشفت مراجعة أجرتها وكالة «رويترز» لأكثر من 80 ورقة بحثية وبراءة اختراع صينية، عن استخدام باحثين مرتبطين بجيش التحرير الشعبي الصيني مخرجات نماذج ذكاء اصطناعي أمريكية في تدريب أنظمة محلية لأغراض عسكرية، في خطوة تسلط الضوء على قدرة بكين على التكيف مع القيود الأمريكية المفروضة على تصدير الرقائق المتقدمة.

وبحسب المراجعة، استخدم باحثون صينيون تقنية تُعرف باسم «تقطير النماذج»، تقوم على الاستفادة من إجابات النماذج الكبيرة لتدريب نماذج أصغر وأقل كلفة، تستطيع تنفيذ مهام محددة بكفاءة، دون الحاجة إلى امتلاك القدرات الحاسوبية الضخمة اللازمة لتطوير النماذج الأصلية.

وتشير وثائق بحثية إلى توظيف هذه التقنية في تطوير أنظمة لتحليل الصور والتعرف على الأهداف، وتشغيل تطبيقات عسكرية على منصات محدودة الإمكانات، بينها الطائرات المسيّرة، بما يتيح لها معالجة البيانات واتخاذ قرارات تشغيلية حتى عند انقطاع الاتصال بمراكز التحكم.

                                   تقطير النماذج.. التفاف على القيود الأمريكية

وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة فرض قيود على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الصين، وفي مقدمتها معالجات شركة «إنفيديا»، ضمن مساعي واشنطن للحد من وصول بكين إلى التقنيات التي يمكن استخدامها في تطوير قدراتها العسكرية.

غير أن تقنية التقطير تتيح الاستفادة من قدرات النماذج المتقدمة عبر الوصول إلى خدماتها وجمع مخرجاتها، ثم استخدامها في تدريب نماذج محلية أقل كلفة، دون الحاجة بالضرورة إلى امتلاك العتاد المستخدم في تطوير النموذج الأصلي.

وفي هذا السياق، أعلنت شركة «أنثروبيك» الأمريكية، المطورة لنموذج «كلود»، في فبراير/شباط الماضي، أن مختبرات صينية، بينها «ديب سيك» و«مونشوت إيه آي» و«مينيماكس»، نفذت ملايين المحادثات بهدف استخلاص قدرات من نماذجها.

كما تحدثت شركة «أوبن إيه آي»، المطورة لنموذج «شات جي بي تي»، عن محاولات من جهات صينية لتجاوز قيود الوصول إلى نماذجها عبر وسطاء تقنيين.

وفي المقابل، تؤكد شركات الذكاء الاصطناعي أن تقطير النماذج أسلوب تدريب شائع ومشروع في حد ذاته، إذ تستخدمه الشركات لتطوير إصدارات أصغر وأرخص من نماذجها. ويتمحور الجدل حول استخدام هذه التقنية بصورة غير مصرح بها، ومخالفة شروط الخدمة وقيود الوصول، وليس حول التقنية نفسها.

                                        الرقائق الأمريكية والبدائل الصينية

وأظهرت مراجعة أخرى لوكالة «رويترز» لطلبات المشتريات العسكرية الصينية، خلال عامي 2024 و2025، استمرار طلب جهات مرتبطة بالجيش رقائق أمريكية متقدمة، بالتوازي مع التوجه نحو الاعتماد على البدائل المحلية، خصوصاً معالجات شركة «هواوي».

وبحسب التقرير، رصدت الوكالة طلبات تشير إلى استخدام رقائق «إيه 100» (A100) التابعة لشركة «إنفيديا»، إلى جانب طلبات مرتبطة بمعالجات «أسِند» (Ascend) التي تنتجها «هواوي».

وتكشف هذه المعطيات عن مسارين متوازيين لدى الصين؛ أولهما محاولة الوصول إلى الرقائق الأمريكية المتقدمة، بصورة مباشرة أو عبر وسطاء، وثانيهما تطوير منظومة محلية تقلل الاعتماد على التكنولوجيا الغربية.

لكن الوثائق المتاحة لا تثبت بالضرورة وصول جميع الرقائق المطلوبة إلى الجهات الصينية، كما لا تسمح بتحديد حجم استخدامها الفعلي داخل المؤسسات العسكرية، ما يجعل تقدير تأثير القيود الأمريكية في القدرات الصينية أمراً يحتاج إلى مزيد من الأدلة.

                                  «ديب سيك» وتقليص كلفة الذكاء الاصطناعي العسكري

وفي إطار مساعي تطوير البدائل المحلية، يستفيد باحثون صينيون من نماذج «ديب سيك» وتقنيات تقليص حجم النماذج واستهلاكها للموارد الحاسوبية، بهدف تشغيلها على معالجات أقل تطوراً من الرقائق الأمريكية المتقدمة.

وتشير أوراق بحثية صينية إلى إمكانية توظيف هذه النماذج في تطبيقات تشمل الطائرات المسيّرة والزوارق غير المأهولة وأنظمة القيادة والسيطرة، فضلاً عن تحليل الصور والبيانات الاستخبارية والحرب الإلكترونية.

وتكمن أهمية هذه التقنيات في تقليل متطلبات الذاكرة والطاقة والمعالجة، بما يسمح بتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي على منصات عسكرية صغيرة لا تستطيع حمل خوادم ضخمة أو الاعتماد بصورة مستمرة على الاتصال بمراكز التحكم.

كما أظهرت طلبات شراء عسكرية صينية اهتماماً بتوظيف نماذج الذكاء الاصطناعي في الترجمة وتحليل الوثائق ومقارنة الصور، إلى جانب تطبيقات للأمن السيبراني وإدارة الأنظمة غير المأهولة.

ومع ذلك، فإن الأرقام المتعلقة بتحسين الكفاءة وخفض استهلاك الطاقة الواردة في بعض الدراسات الصينية تستند إلى تقييمات صادرة عن المؤسسات التي أجرتها، ولا تتوافر بالضرورة قياسات مستقلة تؤكد جميع هذه النتائج.

                                              تحديات أمام الاستخدام العسكري

ورغم التقدم في تقليص النماذج وتشغيلها على عتاد أقل كلفة، لا تزال هناك تحديات تتعلق بموثوقية الأنظمة وقدرتها على العمل في الظروف الميدانية المعقدة.

وتشير أبحاث صينية إلى أن بعض النماذج الأصغر قد تعاني ضعفاً في الاستدلال، أو تنتج توصيات تكتيكية غير مستقرة، فضلاً عن تفاوت زمن الاستجابة وصعوبة ضمان تكرار النتائج نفسها في ظروف التشغيل المختلفة.

وتثير هذه المشكلات مخاوف إضافية عندما يتعلق الأمر بأنظمة عسكرية قد تؤثر مخرجاتها في قرارات الاستهداف أو إدارة العمليات، إذ إن أي خطأ في التحليل أو التقدير قد تترتب عليه نتائج خطيرة.

وتبرز كذلك تحديات تتعلق بأمن البيانات وإمكانية التلاعب بالنماذج، ومدى قدرة المشغلين على مراقبة القرارات التي تنتجها الأنظمة الآلية والتحقق منها.

وتشير المعطيات المتاحة إلى أن القيود الأمريكية لم توقف مساعي الصين لتطوير الذكاء الاصطناعي العسكري، لكنها دفعتها إلى الجمع بين البحث عن الرقائق المتقدمة، والاستفادة من مخرجات النماذج القائمة، وتطوير بدائل محلية أقل اعتماداً على التكنولوجيا الغربية.

وبينما لا تكفي الوثائق المنشورة للحكم بحدوث إخفاق كامل للسياسة الأمريكية أو تحقيق الصين تفوقاً حاسماً، فإنها تظهر أن المنافسة بين البلدين لا تقتصر على امتلاك الرقائق الأكثر تطوراً، بل تشمل أيضاً القدرة على خفض كلفة الذكاء الاصطناعي وتشغيله في البيئات العسكرية محدودة الموارد.

المصدر / فلسطين أون لاين+ وكالات