تتجدد المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية والمحكمة الجنائية الدولية، مع توسيع واشنطن نطاق عقوباتها لتشمل قضاة المحكمة ومسؤوليها والجهات التي تقدم لها الخدمات المالية والتقنية، في خطوة تثير مخاوف متزايدة بشأن استقلال القضاء الدولي وقدرته على محاسبة المسؤولين عن ارتكاب الجرائم الخطيرة.
وتعود جذور الخلاف بين الطرفين إلى ما قبل تأسيس المحكمة عام 2002، حين عارضت واشنطن صلاحياتها وسعت إلى إخضاع عملها لسلطة مجلس الأمن الدولي، الذي تتمتع فيه بحق النقض (الفيتو)، قبل أن تنتقل المواجهة لاحقاً إلى فرض عقوبات مباشرة على مسؤولي المحكمة وملاحقة الجهات المتعاونة معها.
خلاف تاريخي سبق تأسيس المحكمة
وبحسب تقرير أعده وليد العطار لقناة الجزيرة، بدأت ملامح المواجهة الأمريكية مع المحكمة الجنائية الدولية خلال المفاوضات التي سبقت إقرار نظام روما الأساسي عام 1998، إذ سعت واشنطن إلى تقييد صلاحيات المحكمة وربط اختصاصاتها بقرارات مجلس الأمن الدولي، بما يمنحها نفوذاً أكبر على مسار التحقيقات والملاحقات القضائية.
وأُقر نظام روما الأساسي صيف عام 1998، ووقّع عليه الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون في الساعات الأخيرة من عام 2000، قبل أن تعلن إدارة خلفه جورج بوش الابن تراجعها عن التوقيع بعد أشهر قليلة، في خطوة عكست رفض الولايات المتحدة الانضمام إلى المحكمة بصيغتها المعتمدة.
واستند النظام الأساسي للمحكمة إلى ضرورة محاسبة المسؤولين عن الجرائم الأشد خطورة التي تثير قلق المجتمع الدولي، مستحضراً الفظائع التي شهدتها الحربان العالميتان، ومؤكداً أهمية منع إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب.
ومع بدء المحكمة عملها رسمياً في تموز/يوليو 2002، تصاعد الخلاف مع واشنطن، حتى أطلقت وسائل إعلام آنذاك وصف "غزو لاهاي" على المواجهة الأمريكية المبكرة مع المؤسسة القضائية الدولية.
"قانون غزو لاهاي" وبداية المواجهة
وفي الثاني من آب/أغسطس 2002، أقر الكونغرس الأمريكي قانون حماية أفراد الخدمة الأمريكية، الذي منح الرئيس صلاحيات استخدام الوسائل الضرورية لتحرير أي جندي أمريكي أو من دولة حليفة تحتجزه المحكمة الجنائية الدولية.
وأثار القانون انتقادات واسعة بسبب ما تضمنه من صلاحيات استثنائية، وأُطلق عليه إعلامياً اسم "قانون غزو لاهاي"، في إشارة إلى إمكانية استخدام القوة لتحرير أمريكيين أو حلفاء من الاحتجاز لدى المحكمة التي تتخذ من مدينة لاهاي الهولندية مقراً لها.
وتصاعدت المواجهة لاحقاً مع شروع المحكمة في التحقيق في مزاعم ارتكاب القوات الأمريكية انتهاكات في أفغانستان، الأمر الذي دفع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، خلال ولايته الأولى، إلى اتخاذ إجراءات عقابية ضد المؤسسة القضائية الدولية.
وفي عام 2020، أصدرت الإدارة الأمريكية أمراً تنفيذياً اعتبر التحقيقات التي تستهدف أمريكيين أو مواطنين من دول حليفة تهديداً استثنائياً للأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية.
وشملت الإجراءات تجميد أموال وممتلكات وفرض قيود على السفر، في مسعى للضغط على المحكمة ومنعها من مواصلة التحقيقات التي قد تطال مواطنين أمريكيين أو أفراداً من الدول الحليفة لواشنطن.
مذكرات توقيف نتنياهو وغالانت تعيد التصعيد
وعادت المواجهة إلى الواجهة بصورة أكثر حدة مع رجوع ترمب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، بالتزامن مع استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وكانت المحكمة الجنائية الدولية قد أصدرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الأراضي الفلسطينية.
وبعد أقل من شهر على بدء الولاية الرئاسية الجديدة لترمب، وسّعت الإدارة الأمريكية نطاق عقوباتها لتشمل المحكمة وقضاتها، إلى جانب أفراد ومنظمات تتعاون معها، في تصعيد عكس رفض واشنطن للملاحقات القضائية التي قد تطال مسؤولين إسرائيليين.
وتأتي هذه الإجراءات في وقت تواجه فيه المحكمة ضغوطاً متزايدة على خلفية تحقيقاتها في الجرائم الدولية، وسط تحذيرات من أن العقوبات قد تعرقل أداءها وتحد من قدرتها على ملاحقة المتهمين.
العقوبات تمتد إلى البنوك والشركات
وفي تطور جديد، وسّعت واشنطن في التاسع من تشرين الأول/أكتوبر الجاري نطاق العقوبات ليشمل البنوك والشركات التي تقدم خدمات للمحكمة الجنائية الدولية، بما في ذلك شركات التأمين والبرمجيات، وفق ما أورده التقرير.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن واشنطن ستمنع التعاملات مع المحكمة، مضيفاً: "سنحظر التعاملات مع هذه المحكمة المارقة ونقطع عنها مواردها".
ويمثل استهداف المؤسسات المالية والتجارية المتعاملة مع المحكمة تحولاً في طبيعة الضغوط الأمريكية، إذ لم تعد تقتصر على المسؤولين والقضاة، بل امتدت إلى الجهات التي توفر البنية المالية والتقنية اللازمة لاستمرار عمل المؤسسة القضائية.
ومن شأن هذه الإجراءات أن تضع المؤسسات والشركات أمام مخاطر التعامل مع المحكمة، بما قد يدفع بعضها إلى تجنب تقديم الخدمات لها خشية التعرض للعقوبات الأمريكية، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن انعكاسات هذه السياسة على استقلال القضاء الدولي وفاعلية مؤسساته.
المحكمة تدعو الدول الأعضاء إلى التحرك
في المقابل، دعت المحكمة الجنائية الدولية الدول الـ125 الأعضاء فيها إلى اتخاذ إجراءات لمواجهة العقوبات الأمريكية، معتبرة أن هذه التدابير تمثل اعتداءً على أسس النظام القانوني الدولي وتهديداً لاستقلال المحكمة وقدرتها على أداء مهامها.
وتكشف التطورات الأخيرة عن انتقال الخلاف بين واشنطن والمحكمة من الاعتراض السياسي والقانوني على اختصاصاتها إلى استهداف مسؤوليها والجهات التي توفر لها الخدمات، في مسار يضع مبدأ المساءلة الدولية أمام تحديات متصاعدة.
وفي ظل استمرار الضغوط الأمريكية، تبرز مخاوف من أن يؤدي توسيع العقوبات إلى إضعاف قدرة المحكمة على التحقيق في الجرائم الدولية وملاحقة المتهمين بها، بما يثير تساؤلات أوسع بشأن مستقبل العدالة الدولية وإمكانية تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.