يقف الشاب معتز العيسوي (24 عاما)، مصدوما بين أركان شقته التي دمر قصف إسرائيلي على حي الصبرة بمدينة غزة جدرانها وكسر محتوياتها، ليتحول حلم العمر في لحظات إلى حطام.
وفي تفاصيل المأساة، تجسدت قسوة الحرب في حكايات الشباب الذين تبددت أحلامهم وهم على أعتاب دخول الحياة الزوجية في غمضة عين.
يقول العيسوي لصحيفة "فلسطين"، ونبرة الخيبة تملأ صوته: "كان من المفترض أن أزف عريسا خلال أيام معدودة بعد سنوات طويلة من التعب والشقاء. لقد بذلت كل ما أملك وأرهقت نفسي بالديون لنصل إلى هذه اللحظة ونجهز عش الزوجية حجرا بحجر، لكن القصف المجاور نسف فرحتنا وأحال الشقة إلى مكان غير صالح للسكن بعدما انهارت جدرانها وتطاير أثاثها المكتمل".
ويتابع: "عرسي كان يفصلنا عنه أيام قليلة، فكيف لي أن أرتب أموري اليوم ومن أين لي أن أرمم ما دُمر؟ بصعوبة بالغة استطعت استكمال تجهيز البيت وتأمين مستلزمات الفرح في ظل هذه الظروف القاسية، واليوم أجد نفسي وأسرتي أمام عجز كامل عن ترميم الحوائط المنهدمة أو إيجاد بديل يلم شملنا، ليبقى حلم الفرح معلقا بين الركام وضياع الأمل".
وفي مشهد يجسد البطش والتدمير الإسرائيلي الممنهج، تحول مربع سكني كامل في حي الصبرة إلى كومة من الركام والأتربة، إثر قصف طائرات الاحتلال، الخميس الماضي، بناية سكنية لعائلة السوافيري، ليحيل المنطقة المكتظة بالأهالي إلى ساحة دمار شامل طالت عددا كبيرا من المباني والمنازل السكنية.
وأدى القصف المباشر إلى تدمير بناية عائلة السوافيري بالكامل، والمكونة من ستة طوابق سكنية، بالإضافة إلى التدمير الكلي لستة منازل مجاورة وملاصقة للبناية المستهدفة، في حين لحق دمار بليغ وجزئي بعشرات المنازل المحيطة، ما أسفر عن تسوية المباني بالأرض وتضرر البنية التحتية.
وأوضح الدفاع المدني، في تصريحٍ له، أن إجمالي الشقق المتضررة في المربع السكني بلغ نحو 117 شقة سكنية، وهو ما يعني تضرر نحو 819 مواطنا، (بمتوسط سبعة أفراد في الشقة الواحدة)، باتوا جميعهم ما بين مفقودٍ للمأوى أو قاطن في منازل غير صالحة للسكن، مؤكدا أن معاناة العائلات المتضررة تتضاعف فور انتهاء القصف مع بدء رحلة النزوح والبحث عن أمان مفقود.
ضياع شقاء العمر
وأمام ركام منزله الذي استحال أنقاضا، يقف الحاج أبو إسماعيل اللوح (64 عاما)، بذهول يتفقد ما تبقى من ذكريات عقود طويلة، مؤكدا لصحيفة "فلسطين"، أنه لم يكن يتخيل أن ينسف شقاء العمر في لحظة واحدة، إذ غادروا تحت وابل الصواريخ لا يملكون سوى الثياب التي يرتدونها.
ويضيف: "لم يعد لنا أي مأوى نلجأ إليه، بتنا ليلتنا الأولى في الشارع أمام ركام منزلنا، وإلى الآن نلتحف السماء".
ويشير اللوح، إلى أن المنزل لم يكن مجرد جدران وأسقف، بل كان يجمع شمل العائلة بأكملها، ويُؤوي أبناءه وأحفاده الذين باتوا اليوم مشتتين بلا سقف يظلهم، منبها إلى أنهم فقدوا تحت هذا الركام جميع وثائقهم الثبوتية واحتياجاتهم الأساسية، وحتى أبسط مقومات الحياة اليومية، لتبدأ رحلة جديدة من الضياع والبحث عن لوازم العيش الضرورية في ظروف إنسانية قاسية.
ليلة مرعبة
وضمن الشهادات التي تروي تفاصيل ليلة حبست الأنفاس، والمآسي الناجمة عنها، يقف محمد جابر (38 عاما)، أمام منزله الذي تعرض لأضرار جزئية شاهدا على فداحة الجريمة التي هزت المربع السكني بأكمله، ليروي لـصحيفة "فلسطين"، هول اللحظات الأولى التي تحولت فيها المنطقة إلى جحيم من الغبار والركام.
وبحرقة شديدة، يتحدث جابر، عن جيرانه الذين باتوا دون مأوى يظلهم، مؤكدا أن جميع المتضررين هم مدنيون عزل ليس لهم أي انتماء سياسي، ولا ذنب لهم سوى أنهم يسكنون في منازلهم الآمنة التي سويت بالأرض في لحظات.
يتابع: "رغم أن منزلنا لم يُهدم بالكامل، إلا أن الهزة العنيفة والغبار المتصاعد جعلانا نوقن أنها لحظاتنا الأخيرة. لقد عشنا دقائق من الرعب الحقيقي وأطفالنا يصرخون تحت الركام المتطاير والنوافذ المهشمة"، داعيا المجتمع الدولي والجهات الإنسانية للتدخل العاجل ووضع حد لسياسات الاحتلال بحق أهالي القطاع المنكوب.
ويؤكد أهالي الحي أن هذا الاستهداف الإسرائيلي يأتي ضمن مسلسل التدمير الممنهج للأحياء السكنية المأهولة، حيث يجد معظم المواطنين أنفسهم اليوم بلا مأوى في مواجهة قسوة النزوح والعدوان، متحملين مرارة الفقد فوق أطلال منازلهم التي تحولت إلى ذكريات تحت الأنقاض.


