لم يكن خروج الصياد عطية مقداد إلى بحر غزة لممارسة مهنته المعتادة في صيد الأسماك رحلة عادية هذه المرة؛ إذ انتهت باعتقاله والاعتداء عليه بالضرب المبرح على أيدي جنود بحرية الاحتلال الإسرائيلي الذين هشّموا أسنانه قبل الإفراج عنه بعد نحو ثلاث ساعات من احتجازه.
واعتقلت بحرية الاحتلال الإسرائيلي عطية، قبل أيام، في أثناء ممارسته الصيد في محيط ميناء الصيادين، غربي مدينة غزة، إذ تعرض لاعتداء جسدي عنيف، في جريمة تعكس المخاطر التي يواجهها الصيادون الفلسطينيون خلال محاولاتهم لمواصلة العمل في البحر، بالرغم من الظروف القاسية التي تحاصر مهنتهم منذ اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وبحسب والده مصطفى مقداد، احتجز جنود بحرية الاحتلال نجله عطية واعتدوا عليه بالضرب، ما أدى إلى تهشيم أسنانه، قبل أن يفرجوا عنه بعد نحو ثلاث ساعات. ولم يقتصر ما تعرض له على الحرمان المؤقت من ممارسة عمله، بل امتد إلى إصابته جسديًا، في واقعة جديدة تضاف إلى سلسلة الانتهاكات التي يتعرض لها الصيادون في بحر غزة.
يبلغ عطية من العمر (40 عامًا)، وهو واحد من أمهر صانعي قوارب الصيد وترميمها في قطاع غزة المحاصر، ومن خلال عمله هذا إلى جانب ممارسة الصيد، يحاول أن يعيل زوجته وأبناءه الخمسة، (٣ أبناء وبنتان).
كما يتحمل عطية مسؤولية أبناء شقيقه عوض (24 عامًا)، الذي استشهد في أثناء محاولته انتزاع حزمة مساعدات إغاثية قرب حاجز "زكيم"، في أقصى الشمال الغربي لقطاع غزة.
واستغرب الأب، الذي ورث عنه أبناؤه حرفة صناعة القوارب، حادثة الاعتقال والاعتداء الوحشي التي تعرض لها عطية عندما كان يحاول بواسطة قارب صغير "حسكة" صيد الأسماك في مناطق قريبة من الشاطئ.
ولا يمثل الاعتداء على عطية حادثة معزولة، إذ تصاعدت انتهاكات بحرية الاحتلال بحق الصيادين الغزّيين منذ اندلاع الحرب، وسط مخاطر متزايدة تحيط بعملهم، تشمل الاعتقال والاعتداء الجسدي وملاحقة قوارب الصيد، الأمر الذي يُهدد مصدر رزقهم الأساسي ويزيد من معاناتهم المعيشية.
ويكتسب الاعتداء على عطية مقداد بُعدًا إضافيًا بالنظر إلى خبرته المهنية؛ فهو أحد أمهر صانعي قوارب الصيد والسياحة في غزة، وهي حرفة ترتبط بخبرة تراكمت عبر سنوات من التعامل مع القوارب وصيانتها وصناعتها.
وتتجاوز تداعيات هذه الانتهاكات الأذى الجسدي الذي يلحق بالصيادين، لتطال قطاع الصيد البحري الذي يشكل مصدر دخل لآلاف العائلات، ويؤمن موردًا غذائيًا مهمًا للسكان، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الإنسانية والاقتصادية بسبب الحرب وتداعياتها.
ولم يسلم قطاع الصيد من نيران الحرب، إذ تعمد جيش الاحتلال استهداف رصيف الميناء وقوارب الصيد بالغارات الجوية العنيفة، ما أدى إلى تدمير 95 بالمائة منه بشكل كامل، وفق رئيس نقابة العاملين في قطاع الصيد زكريا بكر.
وبحسب قوله، فقد قتل جيش الاحتلال أكثر من 230 صيادًا منذ اندلاع الحرب، واعتقل نحو 120 آخرين، بينهم ما يزيد على 55 صيادًا ما يزالون رهن الاعتقال في سجون (إسرائيل).
وبالرغم من الاعتداء الذي تعرض له عطية مقداد، عاد للعمل مع والده ومجموعة من العمال في ورشة بدائية مخصصة لصيانة القوارب، وتقع في الجهة الجنوبية من ميناء الصيادين.
ويستخدم هؤلاء العمال مواد ومعدات بدائية لترميم ما يمكن ترميه من قوارب الصيد بعدما نهشها القصف الإسرائيلي في وقت يمنع فيه الاحتلال إدخال المواد اللازمة لهذه الحرفة منذ ما قبل حرب الإبادة.
ومع استمرار انتهاكات بحرية الاحتلال، يجد الصيادون أنفسهم أمام معادلة شديدة القسوة؛ فالبحر الذي يمثل مصدر رزق تحول إلى مساحة محفوفة بالمخاطر، في حين يضطرون إلى مواصلة العمل لتأمين احتياجات أسرهم، بالرغم من احتمالات التعرض للاعتقال أو الاعتداء أو فقدان معداتهم ومصادر دخلهم.
وبالنسبة لعطية مقداد لم تنتهِ الحادثة بمجرد الإفراج عنه بعد ساعات من الاحتجاز، إذ ترك الاعتداء وما رافقه من تهشيم أسنانه آثارًا جسدية تضاف إلى الضغوط المعيشية التي يواجهها، في حين يحاول التمسك بمهنته في واقع يزداد صعوبة.


