قال الخبير الاقتصادي د. ثابت أبو الروس، إن الاقتصاد الإسرائيلي، بعد مرور ثلاث سنوات على الحرب على قطاع غزة، يبدو ظاهرياً متماسكاً وقادراً على الصمود، إلا أن مؤشرات عدة تكشف عن ضغوط وأعباء اقتصادية متزايدة قد تترك آثاراً طويلة الأمد.
وأوضح أبو الروس في حوار مع صحيفة "فلسطين" أن أولى الهزات التي تعرض لها الاقتصاد الإسرائيلي تتمثل في العجز في الموازنة العامة، مشيراً إلى أن العجز يُتوقع أن يبلغ نحو 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026.
وأضاف أن حكومة الاحتلال حضرت خلال شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول لموازنة عام 2027، مرجحاً أن يتم، للعام الثاني على التوالي، إقرار موازنة بعجز يتجاوز 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعكس استمرار الضغوط المالية الناتجة عن تداعيات الحرب وارتفاع الإنفاق الحكومي.
وتشير أحدث توقعات ما يسمى "بنك إسرائيل" إلى أن عجز الموازنة قد يبلغ نحو 4.9% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، ونحو 4.2% في عام 2027، في السيناريو الأساسي. ويشير البنك إلى أن زيادة موازنة الحرب عن المستويات المفترضة في التوقعات من شأنها أن ترفع العجز والدين العام.
وينبه أبو الروس إلى أن الإنفاق الحربي والعسكري ارتفع إلى مستويات قياسية، الأمر الذي انعكس مباشرة على الدين العام، ودفع حكومة الاحتلال إلى زيادة اعتمادها على الاقتراض، سواء من الخارج أو من السوق المحلية.
ويوضح الخبير الاقتصادي أن حكومة الاحتلال تقترض مليارات الدولارات من الخارج، بما في ذلك من دول ومؤسسات أوروبية، إلى جانب الاقتراض الداخلي من القطاع المصرفي والقطاع الخاص، وهو ما يرفع من أعباء الدين ويزيد الضغوط على المالية العامة.
وبحسب "بنك إسرائيل"، بلغت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو 68.5% في عام 2025، فيما يتوقع البنك أن تستقر النسبة عند نحو 69% خلال عامي 2026 و2027.
وفيما يتعلق بالتضخم وأسعار الفائدة، يقول أبو الروس إن معدل التضخم استقر عند نحو 1.5%، وهو من أدنى المستويات المسجلة خلال السنوات الأخيرة، ما أتاح لـ"بنك إسرائيل" خفض أسعار الفائدة تدريجياً لتصل إلى نحو 3.25%.
ويضيف أن خفض أسعار الفائدة عادة ما يهدف إلى تحفيز الاستثمار والنشاط الاقتصادي، إلا أن اللجوء إليه في الحالة الإسرائيلية يعكس، وفق تقديره، وجود تحديات مرتبطة بالمشاريع الإنتاجية والاستثمار.
وتؤكد البيانات الأحدث لـ"بنك إسرائيل" أن التضخم السنوي بلغ 1.5% في يوليو/تموز 2026، فيما خُفض سعر الفائدة إلى 3.25% في سبتمبر/أيلول من العام نفسه.
هجرة الكفاءات
ويشير أبو الروس إلى أن قطاع التكنولوجيا الفائقة (الهاي تك)، الذي يمثل أحد أهم محركات الاقتصاد الإسرائيلي، يواجه بدوره تحديات كبيرة، مع انتقال شركات واستثمارات وعقول بشرية إلى الخارج.
ويقول إن هجرة الكفاءات والاستثمارات تعني تراجعاً في تدفق رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية، وهو ما قد ينعكس على تدفقات العملة الأجنبية وعلى قوة الاقتصاد خلال السنوات المقبلة.
ويضيف أن سلطات الاحتلال عملت لعقود على ترسيخ صورتها كبيئة آمنة وجاذبة للاستثمار، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا الفائقة، وهو ما شجع شركات عالمية على الاستثمار والعمل فيها.
إلا أن استمرار الحرب منذ السابع من أكتوبر 2023 أدى، بحسب تقديره، إلى مغادرة أو نقل عدد من الشركات والاستثمارات إلى دول أخرى.
وتظهر بيانات ما تسمى "سلطة الابتكار الإسرائيلية" صورة مزدوجة للقطاع؛ فقد بلغ ناتج التكنولوجيا الفائقة نحو 352 مليار شيكل في عام 2025، بزيادة حقيقية بلغت 8.2% عن العام السابق، كما وصلت صادرات القطاع إلى نحو 85 مليار دولار، أي نحو 58% من إجمالي الصادرات الإسرائيلية. وفي المقابل، انخفض عدد العاملين في وظائف البحث والتطوير داخل الاحتلال بنحو 3,500 موظف خلال 2025، في أول تراجع من نوعه خلال عقد، بالتزامن مع توسع نشاط شركات إسرائيلية في البحث والتطوير والتوظيف خارج دولة الاحتلال.
ويرى أبو الروس أن استمرار الاتجاه قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الاستثمارات في قطاع التكنولوجيا الفائقة، وضعف تدفقات العملات الأجنبية، بما فيها الدولار، وهو ما قد يترك آثاراً سلبية على الاقتصاد الإسرائيلي على المدى الطويل.

عزوف السياح
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن قطاع السياحة يعد من أبرز القطاعات المتضررة، موضحاً أن حكومة الاحتلال سعت لعقود إلى الترويج لنفسها كوجهة سياحية تتمتع بمقومات أمنية وسياحية، إلا أن الحرب أدت إلى عزوف أعداد كبيرة من السياح عن زيارة دولة الاحتلال.
ويوضح أن تراجع السياحة لا ينعكس على الفنادق والمنشآت السياحية فقط، بل يمتد إلى الأسواق والمنتجات والخدمات والقطاعات المرتبطة بالنشاط السياحي.
وتعكس البيانات الرسمية حجم التراجع؛ إذ بلغ عدد السياح والزوار القادمين إلى دولة الاحتلال نحو 974.4 ألفاً في عام 2024، مقارنة بنحو 3.2 ملايين في عام 2023. كما لم تتجاوز ليالي مبيت السياح الأجانب في الفنادق نحو 1.8 مليون ليلة خلال 2024، مقابل 20.7 مليون ليلة للإسرائيليين، بينها 7.5 ملايين ليلة لسكان تم إجلاؤهم من مناطق القتال في الجنوب والشمال.
كما تحدث أبو الروس عن تراجع القطاع الزراعي، مشيراً إلى أن المناطق المحاذية لغزة، إلى جانب مناطق في الشمال، تعد من المناطق الزراعية المهمة.
ويوضح أن عمليات الإخلاء والهجرة الداخلية من المستوطنات المحيطة بقطاع غزة، وكذلك من مناطق في الشمال، أدت إلى تعطيل جزء من النشاط الزراعي في تلك المناطق، الأمر الذي انعكس، وفق تقديره، على الإنتاج والصادرات الزراعية الإسرائيلية.
وبالرغم من هذه الضغوط، يرى أبو الروس أن الاقتصاد الإسرائيلي لا يزال قادراً على إظهار قدر من الصمود المالي، مرجعاً ذلك بصورة أساسية إلى عاملين: صادرات الأسلحة إلى الدول الأوروبية ودول أخرى، إضافة إلى الدعم الأميركي لدولة الاحتلال.
وتقدم صادرات الصناعات العسكرية مثالاً واضحاً على أحد مصادر القوة التي يستند إليها الاقتصاد الإسرائيلي؛ إذ أعلن جيش الاحتلال أن صادرات الصناعات الحربية بلغت مستوى قياسياً قدره 19.2 مليار دولار في عام 2025، بزيادة تقارب 30% عن العام السابق، فيما بلغت قيمة الصفقات الحكومية المباشرة نحو 10 مليارات دولار.
لكنه يشدد على أن القوة العسكرية، رغم إمكانية اعتبارها إحدى أدوات القوة الاقتصادية، لا تمثل في حد ذاتها المعيار الأساسي لقوة الاقتصاد و"الدولة".
ويقول إن القوة الاقتصادية لأي دولة تقوم بصورة أساسية على قطاعات الإنتاج، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة والتجارة والاستثمار، مشيراً إلى أن ما يظهر في السوق الإسرائيلية هو تراجع في عدد من هذه القطاعات نتيجة تداعيات الحرب.
وفي المقابل، تشير البيانات الكلية إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي نما بنسبة 2.9% خلال عام 2025، فيما ساهم قطاع التكنولوجيا الفائقة بنحو نصف النمو الاقتصادي المسجل في ذلك العام. كما أظهرت بيانات "بنك إسرائيل" أن الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني من عام 2026 كان أعلى بنسبة 6.2% من مستواه في الربع الرابع من 2025، وإن كان جزء من هذا التحسن يعكس التعافي من التراجع الذي شهدته الأنشطة الاقتصادية في الربع الأول.


