في تفاصيل المأساة التي حلّت بالرياضة الفلسطينية، تحفر سطور الألم أسماء لا تُنسى في ذاكرة الأجيال، بعدما غيبت الحرب قامات رياضية تركت بصماتها في الملاعب وبين الناس.
ومن بين هذه الأسماء، يبرز الكابتن الشهيد محمد يوسف حسن سالم، المعروف رياضيا باسم "الكوشي"، الذي جمع بين الموهبة الكروية والأخلاق العالية والمواقف الإنسانية المؤثرة، قبل أن يرتقي شهيدا في استهداف منزل عائلته بمخيم الشاطئ غرب مدينة غزة.
وُلد محمد سالم في 11 سبتمبر/أيلول 1989 في مخيم الشاطئ، ونشأ في بيئة ارتبطت تفاصيل حياتها بالبساطة والتكافل الاجتماعي، ليشق طريقه في عالم كرة القدم، ويصبح واحدا من الوجوه المعروفة في الملاعب الغزية. ولم تكن حكايته مجرد مسيرة لاعب تنقل بين الأندية، بل قصة إنسان ترك أثرا طيبا في نفوس زملائه وأصدقائه وجيرانه، وظل حاضرا في المواقف الصعبة التي كشفت عن معدنه الأصيل.
مسيرة رياضية حافلة بالعطاء
عرفت الملاعب الفلسطينية محمد سالم لاعبا موهوبا في خط الوسط، يمتلك قدرات فنية لافتة، ويؤدي أدواره داخل الملعب بروح جماعية وانضباط واضحين.
وكانت بدايته مع ناشئي نادي الجمعية الإسلامية، الذي أصبح لاحقا نادي الصداقة الرياضي، حيث وضع خطواته الأولى في عالم كرة القدم، وتدرج في مسيرته حتى اقترب من أجواء المنافسة مع الفرق الأولى.
بعد ذلك، انضم سالم إلى الفريق الأول لنادي المشتل الرياضي، وقدم مستويات مميزة في مركز خط الوسط، حيث برزت قدرته على أداء واجباته الفنية والتعامل مع متطلبات المباريات، ليترك انطباعا جيدا لدى زملائه وكل من تابع مسيرته الكروية.
ولم يبتعد "الكوشي" عن جذوره الرياضية طويلا، إذ عاد إلى صفوف ناديه الأم الصداقة، وخاض تجربة جديدة تحت قيادة المدرب الراحل نايف عبد الهادي، في مرحلة شهدت حضورا لافتا للفريق على الساحة المحلية.
وكان التتويج بلقب كأس قطاع غزة عام 2013 إحدى المحطات المهمة في مسيرته مع الصداقة، وهي ذكرى ظلت مرتبطة بمشواره الرياضي، وبمرحلة عاش خلالها أجواء المنافسة والإنجاز، إلى جانب مجموعة من اللاعبين الذين تقاسموا معه لحظات الفرح والتحدي.
لكن الإصابات وضعت حدا مبكرا لمسيرته داخل المستطيل الأخضر، بعدما تعرض لإصابة في القدم اليمنى أجبرته على التوقف عن ممارسة كرة القدم. ورغم قسوة الابتعاد عن اللعبة التي أحبها، لم يقطع سالم علاقته بالرياضة، بل بحث عن مسارات أخرى يواصل من خلالها العطاء وخدمة الأجيال الرياضية.
وحصل على دورة المدربين للمستوى الثالث "C" من الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، في خطوة عكست رغبته في تطوير معارفه الفنية والاستمرار في المجال الرياضي، حتى بعدما حالت الإصابة دون مواصلة مشواره لاعبا.
من الملاعب إلى العمل الرياضي والشرطي
انتقل محمد سالم إلى العمل مع الشرطة، وأصبح عضوا في الاتحاد الرياضي للشرطة، حيث واصل أداء دوره في خدمة الحركة الرياضية الفلسطينية، مستفيدا من خبرته السابقة في الملاعب ومعرفته بطبيعة المنافسات والأندية والجماهير.
وأدى "الكوشي" دورا في تنظيم البطولات والأنشطة الرياضية، والمساهمة في الإشراف على الدوريات الداخلية والفعاليات الكروية المرتبطة بالشرطة والمؤسسات الأمنية. كما شارك في التنسيق بين المجلس الأعلى للشباب والرياضة واتحاد كرة القدم، من أجل تأمين الملاعب وتنظيم الإجراءات اللازمة لإقامة مباريات الدوري.
وكان حضوره مهما خلال المباريات التي تشهد إقبالا جماهيريا واسعا، إذ عمل ضمن الجهود الرامية إلى توفير الأجواء المناسبة للمنافسات، والحفاظ على الانضباط داخل الملاعب، والتعامل مع أي أحداث قد تؤثر في سير المباريات.
وعرفه العاملون في الوسط الرياضي شخصا يجمع بين الابتسامة الدائمة والقدرة على التعامل بجدية مع المواقف التي تتطلب الحزم. كان قريبا من الجميع، يتحدث باحترام، ويحافظ على علاقات طيبة مع اللاعبين والإداريين والجماهير، من دون أن يتخلى عن مسؤولياته المهنية.
وبالنسبة إلى من عرفوه في هذه المرحلة، لم يكن عمله مجرد وظيفة يؤديها، بل امتدادا لانتمائه إلى الرياضة وإصراره على البقاء قريبا من الملاعب التي شكلت جزءا أساسيا من حياته.
سائد أبو فارس يروي مواقف لا تُنسى
بعيدا عن الأرقام والنتائج والبطولات، تكشف شهادات أصدقاء محمد سالم جانبا آخر من شخصيته، يتمثل في علاقاته الإنسانية وحرصه الدائم على مساندة المحيطين به.
ويروي الكابتن سائد أبو فارس، أحد نجوم الكرة الغزية السابقين، والذي لعب لأندية خدمات الشاطئ والصداقة والهلال وشباب جباليا، أن أكثر ما ميّز الشهيد كان محبته للجميع، وحرصه على بناء علاقات تتجاوز حدود الصداقة العابرة إلى ما يشبه الأخوة الحقيقية.
ويقول أبو فارس إن سالم كان دائم التواصل مع أصدقائه، يسأل عن أحوالهم ويطمئن عليهم، ويحاول مساعدتهم بقدر استطاعته، حتى عندما كانت الظروف لا تسمح له بتقديم الكثير. ولم تتوقف هذه الروح عند أصدقائه، بل امتدت إلى جيرانه وأبناء حارته في مخيم الشاطئ، الذين عرفوه شخصا حاضرا في أوقات الحاجة.
وخلال الحرب، ومع تفاقم المعاناة الإنسانية في قطاع غزة، بادر سالم إلى المساعدة في توفير المياه لجيرانه، في وقت أصبحت فيه أبسط الاحتياجات اليومية تحديا كبيرا للعائلات التي تكافح من أجل البقاء.
ويستعيد أبو فارس موقفا شخصيا ترك أثرا عميقا في نفسه، حين كان موجودا في جنوب القطاع، بينما كانت زوجته في مدينة غزة، واحتاج إلى مبلغ من المال لإرساله إليها خلال الحرب.
ويقول إنه طلب المساعدة من سالم، وكان يعلم أن الأوضاع المادية الصعبة تجعل تلبية الطلب أمرا غير يسير. لكنه فوجئ بأن "الكوشي" استدان المبلغ من أحد أصدقائه الذي يعمل في بيع الفواكه، ثم أوصله إلى أسرته في غزة.
ويؤكد أبو فارس أن ذلك الموقف بقي راسخا في ذاكرته، لما حمله من معاني الوفاء والشهامة والإحساس بالآخرين، مشيرا إلى أن سالم لم يتردد في المساعدة رغم أنه لم يكن يملك المال، وأن ما فعله ترك في قلبه تقديرا كبيرا له، جعل خبر رحيله أكثر إيلاما.
رحيل موجع وذكرى لا تغيب
في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025، ارتقى محمد سالم إثر استهداف الاحتلال منزل عائلته في مخيم الشاطئ، ما أدى إلى استشهاده برفقة والدته وشقيقه، في فاجعة أضافت اسمه إلى قائمة الرياضيين الفلسطينيين الذين فقدوا حياتهم خلال الحرب.
وبرحيله، خسرت الرياضة الفلسطينية لاعبا سابقا وعضوا فاعلا في العمل الرياضي، فيما فقد أصدقاؤه وجيرانه إنسانا اعتادوا أن يجدوه إلى جانبهم، وأن يستمدوا من مواقفه معنى الوفاء والتكافل في أصعب الظروف.
لم تكن إنجازات سالم محصورة في لقب كأس القطاع أو سنوات حضوره في الملاعب، بل امتدت إلى مواقف إنسانية بقيت شاهدة عليه، وإلى علاقات تركت في نفوس أصحابها أثرا لا تمحوه الأيام.
رحل محمد سالم شهيدا، لكن حكايته بقيت حاضرة في ذاكرة من عرفوه، تتناقلها الألسن بوصفها سيرة لاعب أحب الرياضة، ورجل تمسك بقيم الشهامة والوفاء، وإنسان ترك خلفه من الذكريات ما يجعل اسمه حيا في قلوب أصدقائه ومحبيه، رغم الغياب.