في ضوء الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر 2026، يتجلى موقف الفلسطينيين من العملية الانتخابية الإسرائيلية بوصفه موقفًا يتسم بالشك العميق في قدرة أي حكومة إسرائيلية على إحداث تحول جوهري في مسار العدوان الإسرائيلي.
وتشير المعطيات إلى أن القوى الفلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، تنظر إلى الانتخابات الإسرائيلية بوصفها امتدادًا لسياسة الاحتلال، لا بوصفها فرصة لإعادة صياغة المعادلة السياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن الانتخابات الإسرائيلية تُغذّى بدماء الفلسطينيين ومعاناتهم، وتُستخدم القضية الفلسطينية وقودًا للحملة الانتخابية الإسرائيلية.
ومن زاوية أخرى، تكشف استطلاعات الرأي الفلسطينية عن أزمة شرعية عميقة داخل النظام السياسي الإسرائيلي، فيما تتراجع ثقة الجمهور في نتنياهو.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون في صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن الفلسطينيين لا ينتظرون تغييرًا حقيقيًا من نتائج الانتخابات الإسرائيلية، بل يدركون أن الآلة الإسرائيلية تعمل على جعل الحياة الفلسطينية مستحيلة، تمهيدًا لسيناريوهات التهجير القسري.
ولعل من المناسب أن نذكر هنا رأي الصحفية أميرة هاس في هآرتس، التي أكدت أن إسرائيل لا تناقش إقامة دولة فلسطينية، بل تُعد العدة لطرد الفلسطينيين من أرضهم.
ويضيف هذا الرأي بُعدًا قانونيًا عميقًا، إذ يحوّل الانتخابات من آلية ديمقراطية داخلية إلى أداة لإعادة إنتاج منظومة السيطرة الاستعمارية، بما يتناقض مع مبادئ القانون الدولي الإنساني التي تحظر التهجير القسري، وتفرض على القوة القائمة بالاحتلال واجبات محددة تجاه السكان المحميين.
وعلى النقيض من ذلك، يبدو موقف الفلسطينيين من الانتخابات الأمريكية أكثر تعقيدًا، إذ سبق أن عبّرت قطاعات واسعة منهم، خلال انتخابات 2024، عن قناعتها بأن الحزبين الجمهوري والديمقراطي وجهان لعملة واحدة في دعم إسرائيل المطلق. وتشير المعطيات إلى أن فوز دونالد ترامب آنذاك لم يغيّر من جوهر السياسة الأمريكية، بل عزّز من الانحياز الإسرائيلي.
وبناءً على ذلك، يرى كثير من الفلسطينيين في الضفة وغزة أن أي إدارة أمريكية جديدة لن تختلف جوهريًا في موقفها من الحرب المستمرة أو من مسار التسوية.
ومن الرؤى الشائعة كذلك أن الضغط الأمريكي على إسرائيل يظل محكومًا بالحسابات الانتخابية الداخلية الأمريكية، لا بمبادئ العدالة الدولية، مما يجعل فرص فرض تسوية حقيقية محدودة للغاية.
وفي المقابل، يربط الفلسطينيون بين الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية وبين مستقبل الحرب في الشرق الأوسط. فنتيجة لتلك العوامل، يبدو أن فرص استمرار الحرب قائمة بقوة، خاصة في ظل استمرار السيطرة الإسرائيلية على نحو سبعين في المئة من قطاع غزة، رغم الهدنة الهشة التي أُبرمت في أكتوبر 2025.
ولتوضيح ذلك، يكفي النظر إلى التقارير التي تؤكد أن إسرائيل وسّعت سيطرتها الميدانية، ورفضت الانسحاب الكامل بانتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية، وتجاهلت المضي في خطة الرئيس ترامب للسلام، رغم الموافقة الفلسطينية الواضحة.
وهنا لا بد من بيان أن هذه الاستراتيجية الانتخابية تحوّل الحرب من مواجهة عسكرية إلى أداة لإدارة الرأي العام الإسرائيلي وتأجيل أي التزامات دولية متعلقة بالانسحاب أو إعادة الإعمار.
وفي تلك الظروف، تبدو الانتخابات الفلسطينية ذاتها مهددة بالتأجيل أو الإفشال بشكل كبير، بسبب الشروط السياسية المفروضة على المرشحين، والتي تتطلب الالتزام بمنظمة التحرير وببرنامجها الذي يعترف بإسرائيل، وهذا ما يقود إلى تناقض قانوني وسياسي عميق بين مطلب التمثيل الشعبي وبين القيود المفروضة على المشاركة.
ومن هنا، يمكن القول إن الموقف الفلسطيني من الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية يعكس وعيًا متراكمًا بأن الديمقراطية في الطرف الإسرائيلي أو الأمريكي لا تنعكس تلقائيًا على حقوق الفلسطينيين.
وفي ضوء المعطيات السابقة، يتضح أن استمرار الحرب مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحسابات الانتخابية الإسرائيلية والأمريكية، فالحكومة الإسرائيلية تؤخر أي انسحاب حقيقي من غزة خشية أن يُفسَّر ذلك ضعفًا أمام الناخب الإسرائيلي.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من الجمود السياسي، حيث تتحول الانتخابات إلى أداة لإدارة الصراع لا لحله.
ونتيجة لتلك العوامل، يبقى السؤال معلقًا حول ما إذا كانت الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ستفتح بابًا للتفاوض أم ستغلقه نهائيًا أمام أي تسوية سياسية حقيقية.
وفي ضوء ذلك كله، يتبين أن الموقف الفلسطيني ليس موقفًا سلبيًا فحسب، بل هو موقف تحليلي يدرك أن الديمقراطية في الدول المحتلة أو الداعمة للاحتلال لا تعني بالضرورة عدالة للشعب الواقع تحت الاحتلال.