☰
✕

قائمة الموقع

عام على اتفاق "وقف النار".. غزة في قلب الكارثة الإنسانية

2026-10-10T08:23:00+03:00
غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أرشيف)
فلسطين أون لاين

بعد عام من إعلان اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، لا تبدو غزة خارجة من الحرب بقدر ما تبدو عالقة في مرحلة طويلة من آثارها. القصف والعمليات العسكرية الإسرائيلية لم تختفِ، والخوف لا يزال يرافق الناس إلى الخيام والأسواق ومراكز العلاج، ولا يزال الحصول على الماء والكهرباء والدواء والاتصال رحلة يومية شاقة، في حين تبقى المدارس والمستشفيات وشبكات الصرف الصحي مدمرة وتعمل دون تلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان.

وتظل السيطرة العسكرية الإسرائيلية على نحو 70% من مساحة القطاع عاملًا حاسمًا في حياة الغزيين بعد عام على وقف إطلاق النار، لذلك لا يمكن اختزال المشهد في هدوء شكلي، بل في أزمة ممتدة تعيد إنتاج النزوح والفقر والمرض وفقدان التعليم.

الحياة اليومية

في المدن والمخيمات، عادت بعض الأسواق والمخابز وحركة المركبات، لكن عودة النشاط لا تعني عودة الاستقرار. تقول أوتشا إن العائلات في مواقع النزوح ما زالت تواجه نقصًا في الخيام والمياه والصرف الصحي والغذاء والرعاية الصحية والتعليم، وأن قرب بعض المواقع مما يسمى "الخط الأصفر" يقيّد الحركة ويزيد مخاوف الحماية. كما بلغ التضخم في غزة نحو 207% فوق مستويات ما قبل أكتوبر 2023، وفق رصد الأسواق الذي أوردته أوتشا.

ويقول خميس السوسي، وهو أب لأسرة من خمسة أفراد نزحت من منزلها في حي النصر بمدينة غزة، إن وقف إطلاق النار لم يعنِ نهاية الحرب بالنسبة لعائلته، بل انتقالها إلى شكل آخر من الخوف والمعاناة.

وأضاف السوسي لصحيفة "فلسطين": "إن بيتنا لم يعد موجودًا. لم يبقَ منه سوى جدار مائل وبعض الحديد، في حين انتقلت حياتنا إلى خيمة في مخيم إيواء غرب المدينة. يقولون إن هناك وقفًا لإطلاق النار، لكننا لا نشعر بأن الحرب انتهت. الهدوء بالنسبة لنا هو فقط أن تمر ساعات من دون انفجار، وليس أن نشعر بالأمان".

وأضاف: "نبدأ يومنا بالبحث عن الماء. نحمل العبوات لمسافات طويلة، وأحيانًا ننتظر ساعات حتى نملأها. الكهرباء ليست متوفرة، ونعتمد على بطارية أو لوح شمسي صغير لشحن الهاتف وتشغيل ضوء ضعيف".

وتابع: "الطعام موجود في السوق لكنه أغلى من قدرتنا. أشتري ما يكفي ليوم أو يومين، وأحاول أن أشرح لأطفالي لماذا لا نستطيع شراء كل ما يرونه".

ويكمل: "كل صوت طائرة أو إطلاق نار يعيدنا إلى الأيام الأولى للحرب. أطفالي ينامون بملابسهم لأنهم يخافون أن نضطر إلى الخروج بسرعة". وختم: "نريد بيتًا، ومدرسة، ومستشفى، وماءً آمنًا. نريد أن نعيش كعائلة، لا كأشخاص ينتظرون الخبر الأسوأ".

الدمار وإعادة الإعمار

تواجه غزة دمارًا واسعًا يجعل إعادة الإعمار مشروعًا طويل الأمد، وليس مجرد إصلاحات عاجلة. ووفق التقييم النهائي للأضرار والاحتياجات الذي أعدّه البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في أبريل/ نيسان 2026، بلغت الأضرار المادية نحو 35.2 مليار دولار، فيما قُدّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات. وتضررت أو دُمّرت أكثر من 371,888 وحدة سكنية، بينما يحتاج قطاع الإسكان وحده إلى نحو 16.2 مليار دولار. كما أن أكثر من نصف المستشفيات غير عاملة، وتضررت معظم المدارس، في حين  بلغت أضرار المياه والصرف الصحي نحو 1.7 مليار دولار.

ولا يزال جزء كبير من غزة تحت الركام؛ إذ تُقدّر كمية الأنقاض بأكثر من 68 مليون طن، وتحتاج إزالتها وحدها إلى أكثر من 1.7 مليار دولار.

ومع وجود خطة دولية تستند إلى تقييم البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، مع دور للسلطة والأمم المتحدة والجهات الدولية والجهات الانتقالية الجديدة في تنسيق التعافي، فإن التنفيذ يواجه عوائق كبيرة يسببها الاحتلال، أبرزها دخول مواد البناء والمعدات، الوضع الأمني في ظل استمرار العدوان، إزالة الذخائر غير المنفجرة، نقص التمويل، والقيود على حركة الأفراد والبضائع.

الأزمة الإنسانية والمعيشية

وفيما يتعلق بالأزمات المعيشية التي لا تزال عالقة مع مرور عام على وقف إطلاق النار، يقول الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر لصحيفة "فلسطين": إن الأزمة في غزة لم تعد أزمة نقص مؤقت في السلع، بل أزمة دخل وقدرة على الشراء. عندما ترتفع الأسعار بنحو 207% فوق مستويات ما قبل أكتوبر 2023، يصبح وجود السلعة في السوق غير كافٍ، السؤال هو من يستطيع دفع ثمنها".

وأوضح أن البطالة والفقر وانعدام الأمن الغذائي كلها أصبحت تؤثر بشدة على الأسر في غزة التي فقدت منزلها وعملها ومدخراتها وأصبحت تعتمد على المساعدة كمصدر رئيس للحصول على الغذاء.

وأشار أبو قمر إلى أنه في سبتمبر 2026 وصلت الحصة الغذائية الشهرية التي وُزعت على نحو 191 ألف أسرة إلى ما يقارب 50% من الحد الأدنى للاحتياجات، بحسب بيانات الأمم المتحدة، وقال: "هذا يعني أن انتظام التوزيع وحجمه لا يزالان دون مستوى الأمان. كما أن التأخير عند المعابر أو رفض الشحنات ينعكس فورًا على سعر الدقيق والخبز والدواء".

النزوح والسكن

بعد عام من الحرب، تحولت أزمة السكن في غزة إلى أزمة ممتدة، إذ فقد أكثر من 1.2 مليون شخص، أي نحو 60% من سكان غزة، مساكنهم، وأجبروا على العيش في مواقع نزوح غير رسمية ومكتظة وغير آمنة، وفق تقديرات أممية.

ولا تمثل الخيام حلًا سكنيًا مستدامًا؛ إذ لا تصمد أمام الأمطار والرياح والفيضانات التي تؤدي إلى تلفها بصورة متكررة. وفي مارس 2026، كان نحو 5,000 أسرة ينامون في العراء، فيما يحتاج أكثر من 130 ألف أسرة إلى مساعدات إضافية في مجال الإيواء.

وتتفاقم المعاناة بسبب نقص المياه والصرف الصحي؛ إذ يحصل 63% من الأسر التي شملها تقييم أممي على أقل من ستة لترات من مياه الشرب للفرد يوميًا، ويعيش 60% من السكان على بعد أقل من عشرة أمتار من مياه الصرف أو الفضلات البشرية. كما تعاني مواقع النزوح الاكتظاظ، وسوء تصريف المياه، والمراحيض غير الآمنة، والحشرات والقوارض، ما يجعل الخيمة بالنسبة لكثير من الأسر مكانًا للبقاء لا مكانًا للحياة.

النساء والفئات الهشة

وتتحمل النساء في غزة أعباء متداخلة: النزوح، رعاية الأطفال، فقدان المعيل، نقص الخصوصية، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية. وأفادت منظمة أوتشا في سبتمبر 2026 بأن النساء يترأسن قرابة أسرة واحدة من كل أربع أسر، وهو مؤشر على اتساع مسؤوليات الإعالة داخل البيوت. الأرملة أو المرأة التي فقدت مصدر دخل الأسرة تحتاج إلى حماية اجتماعية ونقد منتظم، لا إلى مساعدة غذائية عابرة فقط.

وتزداد صعوبة الحمل والولادة في الخيام أو المساكن المكتظة عندما تنقطع المياه النظيفة أو يصعب الوصول إلى عيادة نسائية. تحتاج الحوامل والمرضعات إلى غذاء ومكملات وأدوية ومتابعة قبل الولادة وبعدها، كما تحتاج النساء إلى خدمات صحة إنجابية آمنة وسرية. وتضاعف الإعاقة أو كبر السن أو وجود أطفال صغار من صعوبة التنقل وجلب الماء والوقود.

تعافٍ أم أزمة مزمنة؟

ويقول الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل إن قطاع غزة يقف أمام مسارين متناقضين بعد سنوات الحرب، أولهما مسار التعافي التدريجي، والآخر استمرار أزمة مزمنة في ظل غياب أفق سياسي واضح.

وأوضح عوكل لصحيفة "فلسطين" أن مسار التعافي يتطلب "وقفًا فعليًا ومستمرًا للقتال، وفتح المعابر، وانسحاب قوات الاحتلال من المناطق التي تعطل حركة السكان"، إلى جانب وجود إدارة فلسطينية وخطة دولية واضحة لإعادة الإعمار.

وحذر من أن تدفق أموال الإعمار وحده لن يكون كافيًا، مؤكدًا أن "مليارات الإعمار لا تكفي إذا لم توجد شروط سياسية وأمنية تسمح بدخول مواد البناء وتشغيل المؤسسات وحماية المدنيين". وأضاف أن عودة بعض الأطفال إلى خيام التعليم لا تعني تعافي القطاع ما دامت المدارس والمستشفيات والمنازل تفتقر إلى خطة تمويل وتنفيذ شاملة.

وأشار عوكل إلى أن التعافي يمكن أن يبدأ من خطوات صغيرة، مثل إصلاح شبكات المياه وتشغيل المخابز والمراكز الصحية وإعادة الأطفال إلى التعليم، لكنه شدد على أن هذه المبادرات "لا تتحول إلى مسار وطني من دون اتفاق واضح على الحكم والأمن والتمويل والملكية".

وختم بالقول إن الذكرى السنوية لوقف إطلاق النار "ليست مناسبة لإعلان انتهاء الأزمة، بل لاختبار ما إذا كان وقف النار قد فتح طريقًا إلى حياة قابلة للاستمرار"، محذرًا من أن منع تحول الأزمة إلى وضع مزمن يتطلب "قرارًا سياسيًا بقدر ما يتطلب مالًا وإعمارًا".

اخبار ذات صلة