ألم شديد يحرمه الحياة الطبيعية نهارا والراحة ليلا، تلك هي حياة الشاب قصي القرا اليومية، الذي يعاني مضاعفات شديدة لمرضه جعلته عاجزا عن ممارسة أي نشاط دراسي أو عمل كأقرانه من الشباب، وبات حبيس خيمته لا يخرج إلا للضرورة القصوى ولمسافات قريبة، إذ يعجز عن المشي مسافات طويلة.
حكاية الشاب القرا مع الألم ليست جديدة، إذ ولد وهو يعاني انحناء في العمود الفقري بنسبة أربعين بالمائة، وكان كلما كبر في العمر يعاني آلاما في ظهره ورجليه، حتى أصبح يعتاش على المسكنات عندما أصبح شابا.
وعلى الرغم من التشوه الذي يعانيه وعدم قدرته على ممارسة حياته الطبيعية كطفل، ومن ثم كشاب فإنه كان قادرا على التعايش مع الألم. يقول القرا لصحيفة "فلسطين" :" كنت أتناول المسكنات الشائعة كـ"الأكامول" و"التروفين" وكنت قادرا على تسيير امور حياتي".
ولكن بعد ثلاث سنوات من "حرب الإبادة" والنزوح القسري المتكرر وفقدان أسرته كل ممتلكاتها في شرق خانيونس، واضطرارها للعيش في خيمة لا تناسب الوضع الصحي لـ" قصي" طرأت مضاعفات بسبب الظروف المعيشية الصعبة.
يشرح بالقول: "حاليا ازداد الألم أضعافا وازداد الانحناء في عمودي الفقري حتى أصبح بنسبة سبعين بالمائة، لم تعد المسكنات المعتادة معي نفعا، أصبحت غير قادر على المشي أو الجلوس إلا بصعوبة بالغة".
أما الليل فقد أصبح بالنسبة لـ" القرا كابوسا مؤلما، إذ لم يعد قادرا على إغماض عينيه طوال الليل من شدة الألم، وحتى المسكنات القوية لم تعد تجدي نفعا معه. يقول: "أتناول من ثلاث لأربع حبات من المسكن دون فائدة، الألم يمتد من ظهري حتى قدميَّ، وتزيد شدته يوما بعد يوم".
وكان من المفترض أن يتوجه القرا للداخل المحتل في الثامن والعشرين من أكتوبر ٢٠٢٣ لإجراء عملية جراحية لتعديل الانحناء بالعمود الفقري، لكنه يقول: " اندلاع الحرب حال دون ذلك، جددت التحويلة أكثر من مرة في محاولة للسفر لأي دولة بالخارج"، لكن القيود الإسرائيلية المفروضة على سفر المرضى والجرحى يحول دون ذلك.
"لا أستطيع الانتظار أكثر من ذلك فحالتي تسوء يوما بعد يوم، حتى العملية التي من المفترض إن أجريها بالخارج خطيرة جدا ونتائجها غير مضمونة لكنني أفضل الموت على الألم الذي أعيشه كل لحظة"، يتابع حديثه.
ويشير القرا إلى أن عملية تصحيح العمود الفقري التي من المفترض أن يجريها بالخارج معقدة وخطيرة تتطلب اثنتي عشرة ساعة على الأقل من العمل الجراحي المتواصل، وفرص النجاح لا تتجاوز نسبة الخمسين بالمائة وقد تؤدي للوفاة كما أخبره الأطباء، لكنه مصمم على إجرائها على أمل للتخلص من الألم مرة واحدة وإلى الأبد.
وما يزيد من معاناة القرا افتقار قطاع غزة للإمكانات الطبية للتعامل مع حالته الصحية، مع استمرار حرب الإبادة، والوضع المالي بالغ الصعوبة بعد النزوح. يقول: "استدنت حتى الآن قرابة سبعة آلاف شيكل لتوفير المسكنات. قبل الحرب كان أشقائي الكبار يتكفلون بعلاجي، أما الآن بعد النزوح والمعاناة فهم غير قادرين على توفير لوازم أسرهم وأنا غير قادر على العمل بسبب وضعي الصحي الصعب".
ومع عدم إجلائه للعلاج بالخارج حتى اللحظة فإن القرا أصبح يكره دخول الليل الذي يعاني فيه صراخا من الألم الشديد لا تجدي معه المسكنات أو التدليك أو غيرها من المحاولات التي يقوم بها أشقاؤه لتخفيف ألمه. يختم حديثه: "كل ما أريده هو السفر لإجراء العملية بأسرع وقت ممكن".

