لم تكن ليلة الرابع من نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ليلة عادية في حياة الحكم الرياضي الفلسطيني محمود أبو حصيرة، بل كانت واحدة من أقسى المحطات التي عاشها، بعدما استهدفت صواريخ الاحتلال الإسرائيلي منزله في منطقة الميناء غرب مدينة غزة، مخلفةً مأساة عائلية كبيرة، راح ضحيتها عدد من أفراد أسرته، بينهم إحدى بناته، فيما أصيب والده بجروح خطيرة.
وفي تلك اللحظات، وجد أبو حصيرة، البالغ من العمر 45 عاماً، نفسه تحت أنقاض منزله، عاجزاً عن الحركة، وسط مشهد قاسٍ من الدمار والضحايا.
ويقول أبو حصيرة لـ"فلسطين": "وجدت نفسي فجأة تحت الأنقاض، لا أستطيع الحركة، وحولي جثث وأصوات صراخ".
ويضيف: "أُصبت بكسر في القفص الصدري والعمود الفقري، واعتقد الجميع أنني فارقت الحياة، حتى إن خبر استشهادي انتشر بين الناس".
من تحت الركام إلى المستطيل الأخضر
لم تكن الإصابات التي تعرض لها أبو حصيرة مجرد جروح عابرة، فقد احتاج إلى فترة طويلة من العلاج والتعافي، ولا يزال حتى اليوم يعاني آثار تلك الإصابة وآلامها.
لكن الحكم الذي أمضى نحو 20 عاماً في ملاعب كرة القدم، لم يسمح للألم بأن يضع حداً لمسيرته الرياضية.
وبعد شهور من العلاج، عاد أبو حصيرة إلى الملاعب، حاملاً صافرته من جديد، ليشارك زملاءه الحكام في إدارة مباريات بطولة "كأس الألف شهيد"، التي أعادت النشاط الكروي إلى قطاع غزة، رغم الظروف الصعبة والدمار الكبير الذي طال المنشآت الرياضية.
وعلى الرغم من معاناته الجسدية والنفسية، ظهر أبو حصيرة بصورة لافتة خلال المباريات، وواصل ترشحه لقيادة اللقاءات، في ظل الإشادة بمستواه وأدائه التحكيمي.
وبدا المشهد وكأنه رسالة تتجاوز حدود الرياضة؛ رجل خرج من تحت الركام، وفقد أفراداً من عائلته، وتعرض لإصابات بالغة، لكنه عاد إلى المكان الذي أحبه طوال حياته، حاملاً الصافرة، ومتمسكاً بحقه في مواصلة شغفه.
عائلة تنتمي للرياضة
ينحدر محمود أبو حصيرة من عائلة رياضية عريقة، إذ كان والده محمد أبو حصيرة أحد أبرز حراس المرمى في قطاع غزة خلال سبعينيات القرن الماضي، كما عمل مدرباً لحراس مرمى المنتخب الوطني، إلى جانب عمله في مجال التحكيم.
وانتقلت محبة كرة القدم إلى أبناء العائلة، حيث مارس أشقاء محمود اللعبة، لتصبح الرياضة جزءاً أصيلاً من حياة الأسرة.
ولم يكن محمود مجرد حكم عابر في الملاعب، بل أفنى عقدين من عمره في التحكيم، قبل أن تأتي الحرب لتضعه أمام اختبار مختلف تماماً، لم يكن يتعلق بقوانين اللعبة أو قرارات الحكام، وإنما بالبقاء والصمود والقدرة على العودة.
الصافرة في مواجهة الألم
فقد أبو حصيرة أفراداً من عائلته، ومن بينهم إحدى بناته وشقيقه، كما دُمر منزله، ليجد نفسه مع أسرته أمام واقع جديد فرضته الحرب.
ومع ذلك، لم يتخل عن كرة القدم، ولم يسمح للإصابة بأن تنتزع منه آخر ما تبقى من حياته الرياضية.
ففي كل مرة يدخل فيها أرض الملعب، تبدو الصافرة التي يحملها أكثر من مجرد أداة لتحكيم المباراة؛ إنها بالنسبة إليه رمز للعودة، والتشبث بالحياة، واستعادة شيء من الحياة الطبيعية التي فقدها أبناء قطاع غزة.
نداء إلى الأسرة الرياضية الدولية
ويوجه أبو حصيرة نداءً إلى المؤسسات الرياضية العربية والدولية، مطالباً إياها بالنظر إلى أوضاع الرياضيين الفلسطينيين، وتقديم الدعم والمساندة لهم، خصوصاً أولئك الذين تعرضوا للإصابات وفقدوا منازلهم وأفراداً من عائلاتهم خلال الحرب.
ويؤكد أن الرياضيين في قطاع غزة بحاجة إلى مساندة حقيقية تساعدهم على استعادة عافيتهم، والعودة إلى ممارسة الرياضة، وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
ولا تزال عائلة محمود أبو حصيرة تعيش ظروفاً قاسية، شأنها شأن آلاف العائلات في قطاع غزة، بعد تدمير منزلها، فيما تنتظر بفارغ الصبر أن تبدأ عجلة إعادة الإعمار، علّها تستعيد سقفاً يأويها وحياةً أكثر استقراراً.
لكن محمود، الذي خرج ذات يوم من تحت الركام، اختار أن تكون عودته من المكان ذاته الذي عرف فيه نفسه طوال عشرين عاماً.
خرج أبو حصيرة، من بين الأنقاض، وأمسك الصافرة، وعاد إلى الملعب.. ليؤكد أن الحرب قد تصيب الجسد، لكنها لا تستطيع دائماً أن تنتزع من الإنسان شغفه بالحياة.