أكد خبراء وباحثون أن حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة أحدثت تحولًا واسعًا في الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية، ولا سيما في أوساط الأجيال الشابة في أوروبا والولايات المتحدة، مشيرين إلى أن فلسطين باتت تحضر بصورة متزايدة بوصفها قضية حقوق واحتلال ومساءلة.
وقال الكاتب والمحلل في الشؤون الدولية حسام شاكر، إن فلسطين أصبحت "رمزًا حاضرًا في وعي الأجيال الصاعدة حول العالم"، وإن تفاوت مستوى هذا الحضور بين البيئات الغربية.
وأضاف شاكر، في حديث لـ"قدس برس"، أن "فلسطين باتت قضية قيمية ومبدئية وأخلاقية، تلتف حولها أصوات وشخصيات عامة ونخب ثقافية وفنية وأدبية ومجتمعية بصورة غير مسبوقة".
وأوضح أن المزاج الشبابي في الغرب شهد تحولًا "لا يمكن إنكاره"، لافتًا إلى أن نخبًا ثقافية وشبكية باتت تضع فلسطين ضمن التزاماتها العلنية، بما يعكس تغيرًا في الصورة الذهنية والرواية العامة بشأن القضية الفلسطينية.
وأشار إلى أن "ما لحق بصورة الاحتلال من خسائر لا يمكن ترميمه بسهولة"، رغم محاولاته تعطيل الاستجابة السياسية لهذا التحول.
وبيّن شاكر أن "ثبات الشعب الفلسطيني وتضحياته وانكشاف حقيقة الاحتلال أمام العالم أسهما في نزع القناع عن الاحتلال، وإظهاره على حقيقته أمام الجمهور العالمي".
وقال إن "الانحياز للاحتلال أصبح أكثر كلفة على مستوى الصحافة والإعلام"، موضحًا أن وسائل الإعلام "لم تعد قادرة على تمجيد إسرائيل بالصراحة التي ظهرت في بداية حرب الإبادة".
وأضاف أن بعض وسائل الإعلام الغربية لا تزال منحازة للاحتلال، لكنها تمارس ذلك "بطريقة مختلفة"، من خلال إنكار الإبادة الجماعية أو تجاهلها، رغم تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والشواهد المرئية.
وأكد شاكر أن امتناع وسائل إعلام غربية عن الاعتراف بالإبادة والتطهير العرقي يمثل، وفق تقديره، "انحيازًا واضحًا"، حتى مع تراجع قدرتها على التعبير الصريح عن دعم الاحتلال تحت ضغط الجمهور.
تحول في النظرة الغربية
من جهته، قال الكاتب والباحث الفلسطيني عزات جمال، إن الاحتلال حاول منذ اللحظات الأولى لحرب الإبادة اختزال الصراع في أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، وكأن ما سبقها لم يكن احتلالًا أو حصارًا أو استيطانًا أو تنكيلًا بالشعب الفلسطيني.
وأضاف جمال، في حديث لـ"قدس برس"، أن "هذه السردية أصبحت بعد ثلاث سنوات أقل قدرة على الصمود، لأن غزة نفسها، بما شهدته من دمار ودماء وتجويع، تحولت إلى نقطة مركزية لفهم القضية الفلسطينية".
وأوضح أن استطلاعات الرأي عكست هذا التحول، مشيرًا إلى أن النظرة السلبية إلى الاحتلال بلغت 67 بالمئة في 36 دولة، وتجاوزت 70 بالمئة في عدد من الدول الأوروبية.
وأضاف أن استطلاع مؤسسة "غالوب" في شباط/فبراير 2026 سجل تحولًا لافتًا في الولايات المتحدة، إذ قال 41 بالمئة من الأميركيين إن تعاطفهم أكبر مع الفلسطينيين، مقابل 36 بالمئة مع الإسرائيليين.
وبيّن أن التحول الأبرز ظهر بين الشباب، إذ ينظر 58 بالمئة من الأميركيين دون سن الثلاثين بإيجابية إلى الفلسطينيين، مقابل 32 بالمئة فقط إلى الإسرائيليين.
وأكد جمال أن القضية الفلسطينية انتقلت، في جانب من الخطاب الغربي، من كونها "نزاعًا مزمنًا" إلى قضية حقوق واحتلال ومساءلة، تشمل ملفات الاستيطان والحصار والدولة الفلسطينية والقانون الدولي.
وأشار إلى أن الجامعات الغربية والحركات الطلابية والنقابات والمظاهرات ومنصات التواصل الاجتماعي دفعت القضية الفلسطينية إلى قلب المجال العام، وفرضت على السياسيين اتخاذ مواقف بشأنها، وإن بقيت تلك المواقف، وفق تقديره، دون المستوى المطلوب.
وختم جمال بالقول إن "7 أكتوبر لم ينه القضية الفلسطينية، بل أعادها إلى مركز النقاش الدولي، وأعاد الفلسطيني إلى الوعي العالمي بوصفه إنسانًا وشعبًا صاحب حقوق وطنية وسياسية وقانونية".
حرب الإبادة
وأطلقت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة "حماس"، في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 عملية "طوفان الأقصى"، التي استهدفت مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في محيط قطاع غزة، وأُسر خلالها عدد من جنود الاحتلال ونُقلوا إلى القطاع.
وجاءت العملية في سياق عقود من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007.
وعقب العملية، شن الاحتلال الإسرائيلي حرب إبادة واسعة على قطاع غزة، ترافقت مع قصف مكثف وعمليات عسكرية وحصار وتهجير جماعي وتدمير واسع للبنية التحتية.
وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، استشهد أكثر من 73 ألف فلسطيني منذ بدء الحرب، فيما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن سلطات الاحتلال وقواته ارتكبت أفعالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.
ورغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025، يواصل جيش الاحتلال خروقاته في قطاع غزة، من خلال القصف وإطلاق النار واستهداف الفلسطينيين في مناطق متفرقة، ما يؤدي إلى سقوط شهداء وجرحى.