بعد ثلاثة أعوام من الحرب على قطاع غزة، لا يزال الفلسطينيون يبحثون عن طريق يقودهم من واقع النزوح والدمار إلى حياة أكثر استقراراً وأماناً، في وقت تزداد فيه التحديات الإنسانية والاقتصادية، وتتعلق آمال السكان بوقف فعلي لإطلاق النار، وفتح المعابر، وعودة النازحين إلى مناطقهم، وإعادة تشغيل عجلة الاقتصاد.
وفي الذكرى السنوية الثالثة للحرب، تبدو مطالب المواطنين بسيطة في كلماتهم، لكنها ثقيلة في واقعهم: العودة إلى المنازل، أو ما تبقى منها، والحصول على مصدر رزق، وتأمين الغذاء والمأوى، وعيش حياة طبيعية بعيداً عن الخوف والاستهداف والنزوح المتكرر.
ويرى النقابي محمد الدرباشي، من حي الأمل في محافظة خان يونس، أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على "معافاة قطاع غزة"، وإنهاء آثار حرب الإبادة وفتح الطريق أمام عودة الحياة إلى القطاع.
ويقول الدرباشي لصحيفة "فلسطين" إن المواطن الفلسطيني "يسعى جاهداً إلى لقمة عيشه"، ويرى أن فتح المعابر وإدخال مستلزمات إعادة الإعمار، خصوصاً مواد البناء، يمكن أن يشكلا مدخلاً أساسياً لتحريك الاقتصاد، معتبراً أن قطاع البناء قادر على إعادة تشغيل قطاعات اقتصادية أخرى مرتبطة به.
لكن التعافي الاقتصادي، وفق الدرباشي، لا ينفصل عن الواقع الإنساني. فبعد سنوات من حرب الإبادة، يعيش عدد كبير من السكان في ظروف نزوح قاسية، في حين تستعد العائلات النازحة لفصل الشتاء وسط نقص في وسائل الحماية من الأمطار والبرد.
ويحذر من أن استمرار الأوضاع الإنسانية الصعبة قد يفاقم معاناة السكان، داعياً المؤسسات الدولية إلى التدخل وتوفير الاحتياجات الأساسية للنازحين قبل تفاقم الظروف مع حلول الشتاء.
عام من الانتظار
في مخيمات النزوح، لا يرى المختار أبو أحمد قويدر أن مرور الوقت انعكس على حياة السكان بتحسن ملموس. ويصف واقعهم بأنه أشبه بـ"حلقة مفرغة"، مؤكداً أن الناس يريدون وقف الحرب، لكنهم يريدون أيضاً أن يكون ذلك قابلاً للحياة على الأرض.
ويطالب قويدر بإنهاء حالة الانتظار، وعودة السكان إلى مناطقهم، وفتح المعابر، والسماح بإدخال المساعدات إلى العائلات التي تعيش في الخيام.
ويقول لـ"فلسطين" إن الخيام التي يعيش فيها النازحون لم تعد قادرة على توفير الحماية المطلوبة، بعد تعرضها للشمس والبرد والعوامل الجوية، إضافة إلى تهالك عدد منها وتمزقها.
وبالنسبة له، فإن الأولوية تتمثل في أن يعود كل شخص إلى منطقته، وأن تنتهي حالة النزوح التي فرضتها حرب الإبادة على السكان، مع فتح المعابر أمام المساعدات والاحتياجات الأساسية.
ولا يخفي قويدر حنينه إلى مكانه الأصلي، مؤكداً أنه يريد العودة "اليوم قبل بكرة"، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن وقف إطلاق النار الذي ينشده الفلسطينيون يجب أن يكون "على حقيقته".
وقف النار.. كما يراه المواطنون
بين الخيام ومناطق النزوح، تتكرر الرسالة ذاتها بصيغ مختلفة. المواطن شوقي فسيفس يصف الوضع بأنه "سيئ ومأساوي"، ويقول لـ"فلسطين" إن وقف إطلاق النار بالنسبة للسكان يجب ألا يبقى مجرد تصريحات أو شعارات، بل أن يتحول إلى واقع ملموس ينعكس على حياتهم اليومية.
ويؤكد أن السكان يريدون رؤية نتائج حقيقية على الأرض، تتيح لهم العودة إلى منازلهم والعيش بأمان واستقرار.
وبالنسبة إلى فسيفس، فإن العودة ليست مجرد رغبة في تغيير مكان السكن، وإنما استعادة لحياة فقدها النازحون خلال سنوات الحرب. فهو يؤكد استعداده للعودة إلى مكانه، حتى لو كان ما ينتظره هناك هو منزل مدمر أو منطقة تفتقر إلى الخدمات، لأن البقاء بعيداً عن البيت والأرض بالنسبة له استمرار لمعاناة النزوح.
ويقول إن الفلسطينيين تعرضوا للنزوح القسري مرات عديدة، وإن مطلبهم الأساسي هو العودة إلى بيوتهم والاستقرار فيها والعيش بكرامة "كأي شعب من شعوب العالم".
ومن بين أبرز رسائله إلى العالم، يطالب فسيفس بتحرك دولي أكثر فاعلية، وترجمة الاتفاقات والتفاهمات إلى خطوات ملموسة، بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات.
وقف إطلاق النار على الورق
أما ربيع الشقرة، فيرى أن وقف إطلاق النار لم ينجح، من وجهة نظره، في توفير الشعور بالأمن والأمان للسكان.
ويقول إن "وقف إطلاق النار أصبح على الورق"، في حين تستمر المخاوف في الشارع، مع شعور السكان بأنهم قد يتعرضون للخطر في أي وقت.
ويختصر الشقرة لـ"فلسطين" مطالبه في نقطتين أساسيتين: الأمن وفتح المعابر، مؤكداً أن السكان لا يطلبون أكثر من أن تتاح لهم فرصة للعيش بعيداً عن الخوف.
ويرى أن سكان غزة قادرون على إعادة بناء حياتهم بأنفسهم إذا توفرت لهم بيئة آمنة، قائلاً إنهم لا يحتاجون سوى إلى الحماية ووقف الخطر، حتى يتمكنوا من استعادة قدرتهم على العمل وإدارة حياتهم.
كما يوجه انتقاداً إلى دور الوسطاء والجهات الضامنة للاتفاقات، معتبراً أن السكان، بعد سنوات من الانتظار، يريدون رؤية نتائج ملموسة يمكن قياسها في حياتهم اليومية.
اقتصاد ينتظر إعادة الإعمار
ولا تبدو الأزمة في غزة إنسانية فقط، إذ يربط الدرباشي بين تحسن الظروف المعيشية وعودة النشاط الاقتصادي، خصوصاً قطاع البناء.
فإدخال مواد البناء، وفق رؤيته، يمكن أن يفتح المجال أمام إعادة الإعمار، ويعيد تشغيل قطاعات مرتبطة بالبناء والعمل والخدمات، ويوفر مصادر دخل للسكان الذين فقد كثير منهم أعمالهم ومصادر رزقهم خلال الحرب.
وفي المقابل، يصف المختار قويدر الواقع الاقتصادي بأنه بالغ الصعوبة، مشيراً إلى أن كثيراً من السكان فقدوا ما كانوا يملكونه، وأصبحوا يعتمدون على المساعدات لتوفير الطعام لأطفالهم.
هذه الصورة تعكس أزمة أوسع في مصادر الدخل، إذ لم تعد الأولوية بالنسبة إلى كثير من العائلات تحسين مستوى المعيشة، بل توفير الاحتياجات الأساسية والاستمرار في الحياة.
العودة قبل كل شيء
وعلى الرغم من اختلاف تعبيرات المواطنين والنخب، فإن قاسماً مشتركاً يجمع شهاداتهم: الرغبة في العودة إلى الحياة الطبيعية.
الدرباشي يتحدث عن فتح المعابر وإعادة تشغيل الاقتصاد وإدخال مواد البناء، وقويدر يطالب بالعودة إلى المناطق وفتح المعابر وإدخال المساعدات، في حين يركز فسيفس على تطبيق الاتفاقات على الأرض، ويختصر الشقرة مطالبه في الأمن والحماية وحرية الحركة.
وبين هذه المطالب، تبدو العودة إلى المنازل نقطة التقاء أساسية. فالنازحون لا ينظرون إلى العودة باعتبارها انتقالاً جغرافياً فحسب، بل باعتبارها نهاية لمرحلة طويلة من الخوف وعدم الاستقرار.
ومع حلول الذكرى الثالثة لحرب الإبادة، تبقى غزة أمام تحديات هائلة تتجاوز آثار الدمار المادي إلى استعادة مصادر الرزق، وتأمين المأوى، وفتح المعابر، وإعادة تشغيل الخدمات، وتهيئة الظروف التي تسمح للسكان بالعودة إلى مناطقهم.
وفي ظل هذه التحديات، لا تبدو مطالب السكان بعيدة أو معقدة في جوهرها؛ فهم يريدون سلاماً فعلياً، وأمناً مستداماً، وفتحاً للمعابر، ومساعدات تصل إلى مستحقيها، وفرصة للعودة إلى بيوتهم وإعادة بناء حياتهم.
وبعد ثلاثة أعوام من الحرب، تختصر أصوات المواطنين الرسالة في عبارة واحدة: لا يريدون وعوداً جديدة، بل واقعاً مختلفاً يمكنهم أن يعيشوا فيه بأمان وكرامة.

