كان القائد يحيى السنوار المهندس الأبرز للعملية التاريخية ضد (إسرائيل) في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 التي أربكت منظومة الاحتلال، وأسقطت فرقة غزة عسكريًا في عملية عبور تاريخية لم يشهدها التاريخ المعاصر، كشفت عن فشل استخباراتي وعسكري إسرائيلي كبير وأحدثت زلزالا في دولة الاحتلال.
وقبل عام واحد من الهجوم الكبير، وتحديدا في مهرجان انطلاقة حركة حماس الخامس والثلاثين، لم يفهم الاحتلال رسالة السنوار بين حشد من مئات الآلاف من الجماهير المحتشدة وظنها مجرد شعارات رنانة عندما قال: "سنأتيكم بطوفان هادر، وصواريخ دون عد، سنأتيكم بطوفان جنود دون حد، سنأتيكم بملايين من أمتنا مدًا بعد مد".
وعلى مدار سنوات سابقة من "طوفان الأقصى" أسهمت سياسة السنوار في توحيد جبهات المقاومة، وهو ما برز خلال معركة "طوفان الأقصى" بدخول اليمن وحزب الله وحركات المقاومة في العراق على خط إسناد المقاومة ونصرة غزة، عبر استهداف دولة الاحتلال بالصواريخ والمسيرّات واستهداف السفن البحرية التابعة للاحتلال في البحر الأحمر، وامتداد المعركة إلى لبنان وإيران، نتيجة لمسار مقاوم إستراتيجي رسمه السنوار.
تطوير المقاومة
وخلال مسيرة حافلة بالعطاء لم يذق خلالها طعما للراحة بعد تحرره، حرص السنوار على تطوير بيئة المقاومة في قطاع غزة، وأعطى لذلك أولوية كبيرة بحكم عقليته ذات الخلفية الأمنية والعسكرية، وهو ما ظهر واضحا في الحروب الإسرائيلية العدوانية على القطاع التي استبسلت فيها المقاومة وكبدت الاحتلال خسائر فادحة لم يتوقعها.
وكذلك سعى الرجل لترميم الحالة الوطنية الفلسطينية بتقديم حركة حماس تنازلات كبيرة لأجل تحقيق المصالحة الفلسطينية ومنها تنازلها عن الحكومة التي كانت تديرها في غزة عام 2014 فيما عرف باسم اتفاق الشاطئ، وحلها اللجنة الإدارية عام 2017، إذ عبر السنوار في لقاءات عديدة عن توجه حركته لإنهاء المشكلات على المستوى الوطني و"تصفير الخلافات" الفلسطينية، للانتقال إلى التركيز على خدمة "المشروع الوطني الفلسطيني"، وعد المصالحة خيارا استراتيجيا لحماس.
وحرص الرجل الملقب بـ"صاحب العصا" على تعزيز حضوره الشعبي، فكان بين الفترة والأخرى يعقد لقاءات مع نخب مجتمعية وشبابية وصحفية وفصائلية وعشائرية ودينية لبلورة فكر وطني، ورؤيته للتحرر الوطني ومواجهة التحديات التي تحدق بالقضية الفلسطينية.
في مشهد أسطوري وملحمي تاريخي فريد، استشهد قائد طوفان الأقصى مشتبكًا، وكتب بدمائه رسالة ملهمة لأبناء الأمة وأحرار العالم لمقاومة قوى الاستعمار والصهيونية بالمنطقة، والدفاع عن فلسطين، فلم يقف العمر حائلاً أمام قائد دفع زهرات شبابه في سجون الاحتلال حتى بلغ اثني وستين عاما عن حمل البندقية وتقدم الصفوف، والالتحام في قلب المعركة.
كان السنوار يرتدي جعبة حرب، وعلى جانبيه سلاحه، يقف في الخطوط الأولى للقتال بمحافظة رفح يواجه جنود جيش الاحتلال وجهًا لوجه، في حين ينشغل الاحتلال بالبحث عنه بكل أجهزة التجسس والتعقب طوال عام كامل، ولم يدرِ أنه يقف أمام دباباتهم متنقلاً بين ساحات وميادين القتال.
أطلقت الدبابة الإسرائيلية قذيفة على بيتٍ يتواجد فيه مقاوم، ثم أرسلت طائرة "درون" لمعرفة من بداخله، فاقتربت من ملثم يرتدي الكوفية الفلسطينية تنزف الدماء من يديه التي ربطها بسلك حديدي وحجر محاولا وقف النزيف، يجلس على مقعدٍ في مشهدٍ لا يقل هيبة عن صورة نشرت له عندما وضع قدما فوق الأخرى وهو يجلس على مقعدٍ على أنقاض منزله متحديًا للاحتلال، فتجدد التحدي في آخر لحظاته وألقى عصا على الطائرة بعد اشتباك مسلح، لتطلق الدبابة قذائف أخرى انهار السقف فوق الملثم.
تقدم الجنود فكانت الصاعقة واضحة، عندما أزالوا اللثام وكان المشتبك هو زعيم حركة حماس ورئيس مكتبها السياسي يحيى السنوار، يتقدم صفوف المقاتلين، بشجاعةٍ لم يعرفوها أو يشاهدوها في سيرة أي قائد أو جنرالٍ عسكري إسرائيلي، الذين يهرعون للملاجئ عند أول صافرة إنذار تنطلق نحو أي مكان يتواجدون فيه.
كانت هذه النهاية الشجاعة، مغايرة للشكل الذي رسمه قادة الاحتلال وخاصة رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بالوصول للسنوار من خلال تعقب وإعطاء أمر بالاغتيال، ولتنسف دعاية روجها الاحتلال بأن الرجل مختبئ في أحد الأنفاق وبين المدنيين، ليتجلى الفشل الاستخباري الإسرائيلي مرة أخرى بعدم وصولهم للمطلوب الأول رغم أنه كان يقاتل جنودهم في ميدان رفح، كما تجلى فشلهم في السابع من أكتوبر عندما هندس السنوار خديعة كبرى زلزلت الاحتلال.
شاهد على "عدوان 67"
وفي مخيمات اللاجئين بمحافظة خان يونس نشأ السنوار الذي نزحت عائلته من مدينة "المجدل"، فعاش معاناة اللجوء، فأسهمت الظروف الصعبة في تشكل ملامح شخصية الطفل الذي وقف شاهدًا على "عدوان 67"، وكان يسعى لإحداث تغيير "في موازين القوى".
في مدارس المخيم تلقى تعليمه وأكمل دراسته الجامعية بالجامعة الإسلامية التي تخرج فيها بشهادة في الدراسات العربية، وأكمل نشاطه التنظيمي في مرحلة الشباب بتأسيس جهاز المجد الأمني، إلا أنه اعتقل عام 1988، وحكم بالسجن أربعة مؤبدات قضى منها 23 عامًا متواصلة في سجون الاحتلال منها ما يقارب أربع سنوات في العزل الانفرادي.
أمنية تحققت
دفع السنوار ربيع عمره الأول داخل السجون، فاعتقل ولم يزد عمره على 26 عاما، وعلى الرغم من ذلك تكيفت حياته مع ظروف السجن فعاش بين الأسرى "كان أخًا لهم وشخصا متواضعًا" كما يقول رفاق له، ومع إدارة السجن كان صلبًا لا يتعامل معها حتى عندما تدهورت حالته لم يلجأ لعيادة السجن إلا بضغط من رفاقه بعد وصول حالته لمستوى خطير، وهذا يفسر شخصيته الحادة جدا تجاه المحتل حتى في أحلك الظروف التي تعلقت بصحته.
ونال السنوار المكنى "أبا إبراهيم" حريته في صفقة وفاء الأحرار وتحديدًا في 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2011، الذي اعتبر الولادة الثانية للرجل. واستشهد في 16 أكتوبر 2024، بعد عام واحد من العبور الملحمي "طوفان الأقصى" في 7 من أكتوبر 2023، وعلى بعد أيام قليلة من ذكرى ميلاده التي وافقت 19 أكتوبر 1962، ليكتب الرجل أمجاده في أكتوبر.
وأصبح رئيس المكتب السياسي لحماس في 6 آب/ أغسطس 2024 بعد اغتيال إسماعيل هنية، وكان قبل ذلك رئيسًا لمكتبها في قطاع غزة منذ 13 فبراير/ شباط 2017، كما شارك السنوار في تأسيس أول جهاز أمني للحركة، ثم ساهم في العام 1986 في تأسيس جهاز “مجد” الأمني، الذي شكّل نواة التجربة الأمنية لحماس.
كان رحيله شهيدًا أمنية كررها السنوار كثيرًا، ففي لقاء جماهيري قبل 3 أعوام، قال: "أكبر هدية يمكن أن يقدمها العدو والاحتلال لي هي أن يغتالني وأن أقضي شهيدا على يده، أنا اليوم عمري 59 سنة، أنا الحقيقة أفضل أن أستشهد بالـ إف16 على أن أموت بكورونا أو بجلطة أو بحادث طريق أو بطريقة أخرى مما يموت بها الناس".
وكرر تحديه للاحتلال في لقاء متلفز قائلا: "تهديدات العدو لا تخيفنا"، وأكد: "لا نخشى أن نقتل في سبيل ديننا ووطننا ومقدساتنا. دماؤنا وأرواحنا ليست أغلى من دماء أصغر شهيد قدم روحه في سبيل هذه المقدسات".
لم يذعن السنوار لتهديدات الاحتلال، فحتى عندما هدده وزير جيش الاحتلال السابق بيني غانتس بعد وقت قليل من إعلان وقف إطلاق النار بعد معركة "سيف القدس" في 11 مايو/ أيار 2021، وقال إنه لا "حصانة" للسنوار والضيف إذا ظهرا علانية، لم يتأخر رد السنوار كثيرا ومنحه "60 دقيقة لاتخاذ قراره وإرسال طائرة الاغتيال" وقال: "لن يرمش لي جفن" وعاد لمنزله مشيًا على الأقدام تجول خلالها بشوارع غزة، والتقى بالمواطنين من جميع الأعمار، الذين تهافتوا على التقاط صورٍ معه، ووصفه الكثيرون بـ "الشجاع"، ليستشهد بعد ذلك في الخطوط الأولى للمعركة.

