فلسطين أون لاين

7 أكتوبر: ما الذي بقي للقضية بعد ثلاث سنوات؟

بعد ثلاث سنوات من السابع من أكتوبر، أصبح السؤال السياسي الأكثر جدوى هو: ماذا فعلت السنوات الثلاث بالقضية الفلسطينية، وبصورتها السياسية والقانونية، وبقدرتها على إنتاج مستقبل يتجاوز إدارة المأساة؟

فالسابع من أكتوبر تحول إلى نقطة إعادة تموضع للقضية الفلسطينية داخل النظام الإقليمي والدولي، غير أن هذا التحول جاء بكلفة إنسانية ومادية هائلة، بينما ما تزال غزة تواجه احتياجات إنسانية واسعة، وتظل أجزاء كبيرة منها خاضعة لقيود وصول شديدة، في وقت تتواصل فيه أزمات الضفة الغربية من استيطان وعنف وتهجير وقيود على الحركة.

وهنا تتولد المفارقة الكبرى: كلما اتسعت مساحة حضور القضية الفلسطينية في الخطاب الدولي، ضاقت المساحة المتاحة للفلسطينيين على الأرض لصناعة واقع سياسي مستقر، فقد أعادت الحرب القضية إلى مركز النقاش الدولي، وبرزت مجددًا لغة القانون الدولي وحل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية؛ لكن التقارير الأممية الحديثة تشير في الوقت ذاته إلى استمرار تآكل الشروط المادية والسياسية اللازمة لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، مع استمرار الاستيطان والتهجير والقيود في الضفة الغربية.

لذلك، فإن قراءة الذكرى الثالثة لا ينبغي أن تنزلق إلى احتفالية الحدث ولا إلى جلد الذات السياسية؛ وإنما إلى تفكيك ما يمكن تسميته «أثر السابع من أكتوبر»: ماذا غيّر؟ ماذا كشف؟ ماذا أعاد إلى الواجهة؟ وأين أخفقت السياسة الفلسطينية في تحويل اللحظة التاريخية إلى مسار سياسي مستدام؟

فالقضية اليوم تقف أمام اختبار مختلف: الانتقال من «سياسة البقاء» إلى «سياسة استعادة المبادرة»، ومن إدارة آثار الحرب إلى بناء تصور فلسطيني للمستقبل، ومن تعدد الروايات المتصارعة إلى «تماسك سردي فلسطيني» يستطيع أن يجمع بين الحق الوطني، والقانون الدولي، والبعد الإنساني، والوحدة السياسية.

وبينما يظل الركام هو الصورة الأكثر قسوة للحظة الراهنة، فإن المعركة الأعمق قد تكون معركة ما بعد الركام: من يعيد بناء غزة؟ من يمثل الفلسطينيين؟ بأي مشروع سياسي؟ وكيف تتحول الاعترافات الدولية إلى أدوات ضغط حقيقية؟ وكيف تُستعاد وحدة القرار الفلسطيني بحيث لا تتحول القضية إلى ملف إغاثي طويل الأمد بدل كونها قضية تحرر وحقوق وطنية؟

إن السؤال الذي تطرحه الذكرى الثالثة، إذن، هو عن قابلية القضية لإنتاج مستقبلها.

7 أكتوبر وإعادة تموضع القضية الفلسطينية دوليًا

أصبح السابع من أكتوبر نقطة إعادة تموضع للقضية الفلسطينية في الأجندة الدولية، فقد عادت فلسطين، بعد سنوات من التهميش النسبي، إلى قلب النقاش السياسي والقانوني العالمي، باعتبارها قضية حقوق واحتلال واستيطان وتقرير مصير، وتُظهر التحولات الدبلوماسية هذا المسار بوضوح؛ ففي 2025 تبنت الجمعية العامة «إعلان نيويورك» بأغلبية 142 صوتًا، كما أعلنت عشر دول اعترافها بالدولة الفلسطينية في سبتمبر من العام نفسه، بينما كان عدد الدول المعترفة بفلسطين قد بلغ 147 دولة حتى يوليو 2025.لكن اتساع الحضور الدولي للقضية لا يعني تلقائيًا اتساع قدرتها على إنتاج نتائج سياسية، هنا تكمن المفارقة: ارتفع منسوب الاعتراف، بينما ظلت الوقائع على الأرض تتحرك في اتجاه آخر، ولذلك فإن الاختبار الحقيقي للقانون الدولي لم يعد في قدرته على إنتاج القرارات، وإنما في قدرته على إنتاج كلفة سياسية وقانونية للفعل المخالف، ومن هنا ينبغي نقل الرواية الفلسطينية من مساحة التعاطف إلى مساحة الحقوق القابلة للإنفاذ؛ فالاعتراف بالدولة ليس خاتمة المسار، وإنما بداية اختبار دولي لجدية تحويل الشرعية إلى فعل.

غزة بعد ثلاث سنوات.. من جغرافيا الحرب إلى معركة ما بعد الركام

بعد ثلاث سنوات، أصبحت غزة أمام سؤال: كيف تستعيد قابلية الحياة؟ فالدمار لم يطل الحجر وحده؛ وإنما أصاب منظومات الماء والصحة والتعليم والسكن والاقتصاد، وحوّل النزوح من حالة طارئة إلى واقع ممتد. وفي سبتمبر 2026، أفادت الأمم المتحدة بأن 94% من سكان غزة كانوا بحاجة عاجلة إلى المأوى والمساعدة المنزلية الأساسية، فيما كانت 65% من الأسر تعيش في خيام ومساكن مؤقتة، كما بقيت البنية المائية والصحية والطبية تواجه نقصًا حادًا في المعدات والمواد اللازمة للإصلاح.

وهنا تبدأ معركة ما بعد الركام؛ إذ إن إعادة الإعمار ليست مشروعًا هندسيًا محايدًا، وإنما سؤال سياسي يتصل بمن يموّل، ومن يقرر، ومن يدير، ولأي غاية يُعاد بناء غزة.

فالخطر ليس فقط في تأخر الإعمار، وإنما في أن تتحول غزة إلى «جغرافيا إغاثية» تُدار عبر المساعدات، بينما يُؤجل السؤال السياسي عن موقعها في المشروع الوطني الفلسطيني.

لذلك، فإن إعادة البناء ينبغي أن تُفهم باعتبارها إعادة إنتاج للحياة الفلسطينية: مدرسة لا مجرد مبنى، ومستشفى لا مجرد خدمة، واقتصاد لا مجرد إعانة، فكل حجر يُعاد بناؤه يجب أن يعزز بقاء الإنسان الفلسطيني، لا أن يكرس اعتماده الدائم على منظومة الطوارئ.

القضية الفلسطينية بين تآكل الأرض وتماسك الرواية

بينما كانت أنظار العالم تتجه إلى غزة، كانت جبهة الأرض في الضفة الغربية تتحرك بوتيرة لا تقل خطورة؛ إذ استمرت المستوطنات والعنف والتهجير وقيود الحركة في إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، ووفق بيانات الأمم المتحدة، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين تعرضوا للتهجير في الضفة الغربية خلال 2026، نتيجة هجمات المستوطنين وعمليات الهدم والقيود المرتبطة بها، ستة آلاف شخص، في سياق شهد أيضًا ارتفاعًا في وتيرة التهجير مقارنة بالسنوات السابقة.

وهنا تصبح غزة والضفة جغرافيا سياسية واحدة لا ملفين منفصلين، فاختزال القضية في غزة وحدها قد يسمح بتغييب سؤال الأرض، كما أن التعامل مع الضفة باعتبارها شأنًا إداريًا منفصلًا يضعف وحدة القضية.

ومن هنا تبرز معركة أخرى لا تقل أهمية عن معركة الميدان: معركة الرواية، فلم يعد كافيًا أن تكون الرواية الفلسطينية رواية دفاعية ترد على الرواية المقابلة؛ المطلوب الانتقال إلى «الرواية الحقوقية» التي تنطلق من الإنسان والأرض والقانون والذاكرة والوثيقة، فالرواية التي تستند إلى الأدلة والشهادات والتاريخ والقانون الدولي تصبح أكثر قدرة على مقاومة محاولات اختزال الفلسطيني في صورة الضحية فقط.

وهذا هو «التماسك السردي الفلسطيني»: أن تتحدث غزة والضفة والقدس والشتات، رغم اختلاف الوقائع، بلغة حقوق وطنية واحدة.

ما بعد 7 أكتوبر.. هل تستطيع السياسة الفلسطينية استعادة المبادرة؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأصعب الذي تتركه الذكرى الثالثة: هل تستطيع السياسة الفلسطينية تحويل ما كشفته السنوات الثلاث إلى مشروع سياسي؟ فالقضية لا تعاني فقط من ضغوط خارجية، وإنما تواجه أيضًا اختبارًا داخليًا يتعلق بالتمثيل ووحدة القرار والعلاقة بين غزة والضفة والشتات، وبقدرة المؤسسات الفلسطينية على إنتاج مرجعية سياسية جامعة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن غياب الوحدة لا يعني غياب القضية، لكنه يجعل القدرة على ترجمة الحقوق إلى مكاسب سياسية أكثر تعقيدًا، ولذلك فإن استعادة المبادرة لا تعني العودة إلى ما قبل 7 أكتوبر، بقدر ما هي بناء صيغة سياسية جديدة تستوعب التحولات التي فرضتها الحرب، وتحافظ على وحدة الجغرافيا والقضية والقرار.

والمطلوب وحدة وظيفية تُعيد ترتيب الأولويات حول حماية الأرض، وإعادة إعمار غزة، وإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات والتمثيل السياسي، وربط المسار الدبلوماسي بالمقاومة القانونية والسياسية المشروعة.

فبعد ثلاث سنوات، قد لا يكون السؤال المركزي: من انتصر في لحظة السابع من أكتوبر؟ وإنما من استطاع أن يصوغ ما بعد تلك اللحظة؟ وهنا ينتقل الفلسطيني من «إدارة الأزمة» إلى «هندسة المستقبل»؛ أي من انتظار ما يقرره الآخرون بشأن فلسطين، إلى امتلاك تصور فلسطيني لما يجب أن تكون عليه فلسطين، وهذا هو الاختبار الحقيقي لبقاء القضية: ألا تتحول من قضية شعب يسعى إلى حقوقه الوطنية إلى مجرد ملف إنساني مفتوح.

في الختام.. بعد ثلاث سنوات، تحتاج القضية الفلسطينية إلى أن تستعيد قدرتها على صناعة الحضور، فالسابع من أكتوبر فتح نافذة تاريخية، لكن النوافذ لا تتحول وحدها إلى دول، والاعترافات لا تحمي أرضًا بلا إرادة سياسية، والقانون الدولي لا يصبح قوةً ما لم يُترجم إلى فعل.

اليوم، تقف فلسطين أمام مفترق حاسم: إما أن تبقى أسيرة إدارة الركام، أو تحوّل الركام إلى نقطة انطلاق لمشروع وطني جامع، وغزة ليست ملفًا إغاثيًا، والضفة ليست هامشًا جغرافيًا، والشتات ليس خارج المعادلة؛ إنها حلقات قضية واحدة.

لقد تغيّر المشهد، لكن المعركة لم تُحسم، وما بقي للقضية بعد ثلاث سنوات ليس مجرد ذكرى السابع من أكتوبر، بقدر ما هو حقٌّ لم يسقط، وأرضٌ لم تُحسم، وروايةٌ لم تُمحَ، وشعبٌ لم يفقد حقه في أن يصنع مستقبله.

فالمعركة الحقيقية تبدأ حين يتوقف الفلسطيني عن انتظار شكل المستقبل، ويبدأ في هندسته.

المصدر / فلسطين أون لاين