كانت مدينة رفح، في بداية حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، تعرف كيف تتسع للجميع، ولم تكن تعلم أن الحرب ستدفع إليها مئات آلاف النازحين، لتتحول خلال أشهر قليلة إلى الملاذ الأخير لمن شردهم جيش الاحتلال من مدنهم وبيوتهم تحت القصف.
منذ الأيام الأولى للحرب، أجبر جيش الاحتلال الإسرائيلي الكثيرين من سكان شمال قطاع غزة ومدينة غزة، ثم سكان خانيونس ومناطق أخرى على النزوح، حتى تحولت رفح إلى مدينة مكتظة بنحو مليون إنسان.
الشوارع التي كانت تعرف سكانها وأحياءها تحولت إلى مساحات مكتظة بالخيام، والمدارس إلى ملاجئ، والطرقات إلى ممرات للنازحين الذين حملوا ما استطاعوا من أمتعتهم، بعدما تركوا خلفهم بيوتاً لم يعرفوا إن كانوا سيعودون إليها أو لا.
كانت رفح بالنسبة إلى هؤلاء آخر محطة في رحلة النزوح، وآخر ما تبقى لهم من مساحة يظنون أنها قد تكون أكثر أمناً.
لكن في ربيع عام 2024، بدأ الاحتلال الإسرائيلي يهيئ الرأي العام العالمي لاقتحام المدينة، إذ تصاعدت التصريحات والادعاءات العبرية عن وجود مقاتلين من حركة حماس داخل رفح، وعن ضرورة تنفيذ عملية عسكرية فيها، قدمها الاحتلال في بدايتها على أنها عملية “محدودة” تستهدف مواقع محددة.
لم تكن محدودة.
في مايو/أيار 2024، بدأ العدوان على رفح تحت غطاء ناري كثيف، وانطلقت العملية من منطقة معبر رفح، قبل أن تمتد إلى المخيمات والأحياء المحاذية للحدود المصرية، ثم تتسع تدريجياً لتطال أجزاء واسعة من المدينة.
لم يكن القصف وحده وسيلة إجبار السكان على الرحيل، كانت النار، والتهديدات، وأوامر الإخلاء، والخوف، أدوات متكاملة لإفراغ المدينة.
شرد الاحتلال السكان والنازحين من رفح على عجل، تركوا وراءهم البيوت التي بنوها، والأثاث الذي جمعوه على مدى سنوات، وصورهم وذكرياتهم ومقتنياتهم، وحتى الأشياء الصغيرة التي لا قيمة مادية لها لكنها تختصر حياة كاملة.
كان عليهم أن يختاروا بين حمل ما يستطيعون حمله، أو ترك كل شيء والنجاة بأنفسهم، ومن بقي في رفح، واجه القصف وكان الموت مصيره.
تدريجياً، تحولت المدينة التي كانت تضج بالحياة إلى مساحة واسعة من الركام، أحياء كاملة اختفت ملامحها، ومنازل سويت بالأرض، وشوارع تغيرت معالمها، وأماكن كانت يوماً مراكز للحياة اليومية أصبحت ساحات مدمرة.
ومع ذلك، بقيت بعض الأحياء، مثل خربة العدس وجزء من حي الجنينة، وبعض المنازل في مناطق متفرقة، شاهدة على ما كانت عليه رفح قبل أن تمتد إليها آلة الحرب.
ثم جاءت الهدنة الثانية التي بدأت في 19 يناير/كانون الثاني 2025، فتنفست أجزاء من رفح قليلاً، عادت الحياة بصورة تدريجية إلى بعض المناطق، وبدأ سكان بالعودة إلى ما تبقى من بيوتهم، ومدت خطوط مياه، واستؤنفت خدمات ترحيل النفايات، وأقيمت مخيمات مؤقتة، في محاولة لإعادة شيء من الحياة إلى مدينة أنهكتها الحرب.
لكن الهدوء لم يدم طويلاً.
في مارس/آذار 2025، نقض جيش الاحتلال الهدنة، وعاد القصف الإسرائيلي بصورة واسعة، لتبدأ مرحلة جديدة من قتل المدنيين وحصارهم ودفعهم إلى النزوح من جديد.
وجد سكان رفح أنفسهم أمام التشريد مرة أخرى، لكن هذه المرة عن مدينة لم يبقَ من كثير من أحيائها سوى أطلال.
ومنذ ذلك الحين، بقيت رفح تحت سيطرة الاحتلال العسكرية، في حين كشفت صور الأقمار الصناعية حجم الدمار الذي طال أحياءها ومبانيها وشوارعها، وأظهرت مساحات واسعة سُويت بالأرض، وكأن المدينة أُزيلت من الخريطة.
أما سكانها، فتوزعوا في مخيمات النزوح في أرجاء قطاع غزة، يعيشون في ظروف قاسية تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، ويحملون معهم حلماً واحداً: العودة إلى رفح.
رفح التي لم تكن يوماً مجرد مدينة في جنوب القطاع، بل كانت بيتاً لعشرات آلاف العائلات، وملاذاً لمئات آلاف النازحين.
اليوم، ومع دخول الحرب عامها الرابع، تبدو رفح كمدينة معلقة بين الماضي والمستقبل؛ توقفت الحرب في الاتفاقات والوثائق، لكنها لم تتوقف على الأرض، فما زال القصف والقتل والنزوح حاضراً في حياة الفلسطينيين، فيما ينتظر أبناء رفح لحظة يستطيعون فيها العودة، ولو إلى ركام منازلهم.
فقد يستطيع الاحتلال تدمير البيوت والشوارع، وتسوية الأحياء بالأرض، وإجبار أهل المدينة على النزوح، لكنه لا يستطيع أن يمحو من ذاكرة أهلها أسماء أحيائها، وطرقاتها، وبيوتها، ولا حقهم في العودة إليها.
هكذا لم تُهدم رفح في يوم واحد؛ أُفرغت أولاً من أهلها، ثم دُمّرت أحياؤها، ثم تُركت خلف خطوط النار، بينما بقي أهلها يحملون مفاتيح بيوت لم تعد قائمة، وينتظرون يوماً يعودون فيه إلى مدينة يحاول الركام أن يخفيها، ولا يستطيع.