فلسطين أون لاين

قانون بناء الإنسان

﴿الرَّحْمَٰنُ ۝ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ ۝ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1–4]

من هنا يبدأ قانون بناء الإنسان: علَّم القرآن، خلق الإنسان، علَّمه البيان. فالإنسان في القرآن ليس جسدًا ولا رقمًا، بل مشروع بناء متكامل؛ يُبنى إيمانه، ويُصقل عقله، وتُهذَّب أخلاقه، وتُكتسب مهاراته، ويتعلم المسؤولية، حتى يصبح قادرًا على حمل الأمانة وصناعة المستقبل. والبيان ليس مجرد الكلام، بل القدرة على الفهم والتعبير والحوار وصناعة المعنى، وتحويل المعرفة إلى رسالة وأثر.

وفي غزة خرج هذا القانون من الكتب إلى الحياة، وتجسّد في نماذج إنسانية متعددة خرجت من قلب المحنة: حافظ القرآن المقاتل المشتبك من نقطة صفر والذي حمل كتاب الله وسط الركام، والطفل الذي واصل تعلّمه في الخيمة، والمعلم الذي لم يتخلَّ عن رسالته، والطبيب الذي واصل علاج المرضى تحت الخطر، والمتطوع الذي حمل الماء والغذاء والدواء للنازحين، والإعلامي الذي حمل الحقيقة ووثّق الألم، والتاجر الذي حفظ أمانته ولم يستغل حاجة الناس، وصاحب المال الذي فتح يده للمحتاجين، والأم التي واجهت الفقد بالصبر وربّت أبناءها على العزة، والشاب الذي حوّل وقته وطاقته إلى مبادرة وخدمة. إنها وجوه متعددة لإنسان غزة الذي لا تختصره الحرب؛ عابدٌ في محرابه، شجاعٌ عند الخطر، صابرٌ عند البلاء، عالمٌ في مجاله، أمينٌ في عمله، رحيمٌ بمجتمعه، ومبادرٌ حين تضيق الإمكانات.

وبناء الإنسان لا يبدأ بالمؤسسات وحدها، بل بالأسرة أولًا؛ فالبيت هو المصنع الأول للإنسان، ثم المدرسة والمسجد والمجتمع. ومن هنا ينبغي أن ننتقل بالإنسان من الانتظار إلى المبادرة، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن رد الفعل إلى الفعل، ومن استهلاك المعرفة إلى إنتاجها، ومن انتظار المستقبل إلى صناعته.

وغزة، بما مرت به من حصار وحروب وفقد وتهجير ودمار، يمكن أن تُقرأ بوصفها مدرسة للمحنة والتكوين. ولا نجزم بأن لها غاية غيبية محددة، لكننا نستطيع تحويل تجربتها إلى معرفة: توثيق، ودراسة، واستخلاص دروس، وتدريب، وسياسات، وأجيال أكثر استعدادًا. فالألم الذي لا يتحول إلى معرفة يتكرر، والتجربة التي لا تتحول إلى درس تضيع، والتضحيات التي لا تنتج وعيًا جديدًا تبقى جرحًا مفتوحًا.

ولعل غزة، في هذا السياق، تستدعي معنى قوله تعالى لموسى عليه السلام: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾؛ لا بمعنى الجزم بأن ما جرى لها إعدادٌ لغاية غيبية بعينها، وإنما من زاوية ما تكشفه المحن من قدرة على التكوين وصناعة الوعي. وقد يحق لنا، في ضوء حديث التجديد، أن نتأمل: هل يمكن أن تكون غزة إحدى البيئات التي تحمل شيئًا من روح التجديد في هذا القرن؟ لا باعتبار ذلك وعدًا قطعيًا، وإنما بما أظهرته من نماذج في الصبر والتكافل والبذل والوعي، وما يمكن أن تتحول إليه تجربتها من طاقة معرفة ونهضة.

لكننا لا نريد إنسان الحرب فقط، بل إنسان ما بعد الحرب: الطبيب الذي يبني، والمهندس الذي يعمر، والمعلم الذي يصنع جيلًا، والعالم الذي ينتج معرفة، والباحث الذي يستخلص الدروس، والمزارع الذي يعيد الأرض إلى الإنتاج، ورجل الأعمال الذي يخلق فرص العمل، والإعلامي الذي يحمل الحقيقة، والقائد الذي يدير الأزمات.
فالحجر قد يُهدم، لكن الإنسان إذا بُني يستطيع أن يعيد بناء الحجر والحياة والوطن. لذلك فإن إعادة الإعمار الحقيقية ليست إعمار الحجر وحده، بل إعمار الإنسان الذي سيعيد إعمار الحجر.

ونريد إنسانًا يجمع بين الإيمان والعلم، والعقل والأخلاق، والمعرفة والمهارة، والصبر والمبادرة، والقيادة والعمل، والإنتاج والإتقان؛ إنسانًا يعرف ربه، ويفهم عصره، ويتعلم باستمرار، ويمتلك البيان، ويحفظ الأمانة، ويخدم مجتمعه، ويترك بعد رحيله أثرًا.

من الأسرة نبدأ، وبالقرآن نهتدي، وبالعلم نبني، وبالأخلاق نحمي، وبالمهارة ننجز، وبالمبادرة نصنع الحلول، وبالبيان نحمل الرسالة، وبالإنسان نصنع المستقبل.
﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ ۝ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾
فبناء الإنسان أعظم إعادة إعمار؛ ومن بُني إنسانه، أمكن أن يُبنى وطنه.

المصدر / فلسطين أون لاين