داخل خيمة متهالكة في معسكر خان يونس، تخوض الطفلة ميام برهوم جلسة علاجية لتطوير قدراتها الحركية والوظيفية، وسط ضيق المساحة وشحّ الإمكانات اللذين يشكلان عائقاً إضافياً أمام أطفال بأمسّ الحاجة إلى رعاية وتأهيل مستمرين.
توضح والدتها، أحلام برهوم، أن طفلتها من ذوات متلازمة داون، وقد التحقت ببرامج جمعية "الحق في الحياة" قبل نحو ستة أشهر لتلقي العلاج الطبيعي والوظيفي، لافتة إلى أن حالتها شهدت تحسناً ملحوظاً منذ بدء الجلسات.
غير أن الأم تؤكد أن جلسة يتيمة أسبوعياً لا تفي باحتياجات طفلتها، مبدية أسفها لعجز المكان عن استيعاب أعداد إضافية مع ازدياد الطلب على التأهيل بفعل تداعيات حرب الإبادة والنزوح القسري.
وتشير برهوم لصحيفة "فلسطين" إلى أن الخيمة الحالية تفتقر لأبسط المقومات التي تتيح تقديم الرعاية بكرامة وأمان، مناشدة الجهات المعنية توفير مقر لائق ومجهز يضمن للأطفال جلسات علاجية منتظمة.
وتضيف: "تحتاج ابنتي لجلستين أو ثلاث أسبوعياً على الأقل، لكن ضيق الخيمة وقلة طاقتها الاستيعابية يقفان حائلاً دون ذلك".
عودة للخدمة من تحت الشوادر
ليست ميام سوى نموذج لعشرات الأطفال من ذوي متلازمة داون واضطراب طيف التوحد، ممن اصطدموا بواقع قاسٍ فرضته حرب الإبادة: مقار مدمرة، ومراكز متوقفة، وجهود تأهيلية تُستأنف بأدنى الموارد تحت أسقف مؤقتة.
يحرص محمد كمال عامر، العائد لمنزله المهدوم كلياً في منطقة "جورة العقاد" بخان يونس، على اصطحاب ابنته "وردة" أسبوعياً إلى الجمعية؛ إيماناً منه بدورها في مساندة هؤلاء الأطفال خلال أصعب الظروف.
ويرى عامر أن جلسة واحدة كل سبعة أيام تظل قاصرة عن مجاراة متطلبات طفلة تحتاج إلى تدريب مستمر، في ظل اضطرار الطاقم لتقسيم الملتحقين على مجموعات متباعدة لاستيعاب الأعداد. ويضيف بقلق لصحيفة "فلسطين": "الخيمة غير مهيأة ولا تقي من تقلبات الطقس، ومع حلول الشتاء يتصاعد خوفنا من أن تحرم الأمطار والبرد القارس أطفالنا من هذا الملاذ المتبقي".
وكانت الجمعية قبل حرب الإبادة تقدم خدماتها عبر ثلاثة فروع رئيسة موزعة بين القرارة ومدينة غزة وشمال القطاع. وإثر استهداف تلك المرافق وخروجها عن الخدمة، لجأت الإدارة إلى نصب نقاط تأهيلية وتعليمية بديلة داخل خيام في خان يونس والمنطقة الوسطى وشمالي القطاع.
وفي خان يونس، تستقبل ثلاث خيام تابعة للجمعية قرابة 360 طفلاً من بين مئات آلاف النازحين، بحسب الأخصائية إسلام القصاص.
وتشمل البرامج جلسات العلاج الطبيعي والوظيفي وتنمية المهارات، بيد أن ضيق المكان ومحدودية موارده يعطلان إمكانية التوسع واستيعاب قوائم الانتظار الطويلة.
نقص فادح وأعباء مضاعفة
لا تتوقف المعاناة عند حدود الجغرافيا المكانية، إذ تعاني الخيام نقصاً حاداً في الأدوات والمعدات السريرية المخصصة للتأهيل.
وتشير القصاص إلى غياب الأجهزة الداعمة للعلاج الطبيعي، وانعدام القاعات المستقلة للأخصائيين، فضلاً عن الفقر الشديد في الألعاب التفاعلية والوسائل الإدراكية التي تلعب دوراً حاسماً في تطور الطفل. وتوضح: "نعمل بأقصى طاقاتنا وأقل الممكن لنحمي ما تبقى من مكتسبات هؤلاء الصغار الذين حرمهم العدوان من بيئتهم التأهيلية الآمنة".
وتتضاعف أهمية هذه الحصص التخصصية لكونها ضرورة يومية تعين الأطفال وأسرهم على تجاوز صعوبات الحركة والتواصل، وليست مجرد أنشطة ترفيهية عابرة؛ غير أن أولويات البقاء الملحة المتمثلة في البحث عن الخبز والماء والمأوى في غزة زادت من تهميش هذه الشريحة وتراجع الاهتمام باحتياجاتها التخصصية.
استحقاق إنساني معلق
تؤكد القصاص لصحيفة "فلسطين" أن ذوي متلازمة داون والتوحد باتوا الفئة الأكثر هشاشة وحاجة للالتفات العاجل بعد الانهيار الواسع في البنية التحتية للمراكز الطبية والتأهيلية، مشددة على أن تأمين بيئة مسقوفة وآمنة وتزويدها بالمستلزمات الحركية والتربوية يشكلان الركيزة الأولى لاستدامة الخدمة.
وفي انتظار حلول ملموسة، يبقى مطلب أهالي الأطفال معلقاً بين مرارة الواقع وخشية الغد؛ فبالنسبة لأحلام برهوم، يمثل كل تحسن تُظهره "ميام" بارقة أمل تخشى أن تبتلعها قسوة الشتاء وتسرب مياه الأمطار إلى داخل الخيمة.
تحت هذه الشوادر المهترئة، لا يبحث أطفال غزة ذوو الإعاقة عن مجرد علاج، بل يتمسكون بحقهم الطبيعي في التعلم والنمو والكرامة الإنسانية، على أمل ألا تجردهم الحرب مما تبقى لهم من مستقبل.