فلسطين أون لاين

الشهيد عارف النباهين.. من جيل العمالقة إلى ذاكرة سلة البريج

...
الشهيد عارف النباهين.. من جيل العمالقة إلى ذاكرة سلة البريج
غزة/ إبراهيم أبو شعر:

من بين أزقة مخيم البريج، الذي ارتبط اسمه تاريخيا بكرة السلة الفلسطينية، خرجت أجيال من اللاعبين الذين صنعوا المجد لناديهم ومخيمهم، وتركوا بصمتهم في البطولات المحلية على مستوى قطاع غزة وفلسطين. 

وفي هذا المخيم، لم تكن الرياضة مجرد لعبة أو منافسة داخل الصالات، بل كانت جزءا من الحياة اليومية، ومساحة للفرح والانتماء، ووسيلة لصناعة الأمل في ظل ظروف قاسية عاشها أبناء القطاع لعقود.

ومن بين الأسماء التي سلكت طريق البطولات، وارتبطت بتاريخ الحركة الرياضية في مخيم البريج، يبرز اسم الشهيد عارف النباهين، أحد أبناء الجيل الذهبي لكرة السلة الفلسطينية، والذي جمع بين موهبة اللاعب وعطاء الإداري وخدمة المجتمع.

لم تكن الرياضة الفلسطينية بمعزل عن الواقع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، بل ظلت في كثير من المراحل مرآة لهذا الواقع، بما حملته من تحديات وآمال وانتصارات. 

ومع اندلاع الحرب التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعرض القطاع الرياضي بدوره لخسائر كبيرة، بعدما طال القصف الملاعب والمنشآت الرياضية، وفقدت الحركة الرياضية الفلسطينية عددا من لاعبيها ومدربيها وإدارييها.

وكان عارف النباهين واحدا من أبناء الحركة الرياضية الذين دفعوا حياتهم ثمنا لهذه الحرب، ليضاف اسمه إلى قائمة طويلة من الرياضيين الفلسطينيين الذين غابت أجسادهم، وبقيت سيرتهم حاضرة في ذاكرة الرياضة الوطنية.

e69d57da-6289-4bad-9e19-ca4d80b3ec07.jpg
 

من أزقة البريج بدأت القصة

ولد عارف النباهين في السادس من يناير/كانون الثاني عام 1958 في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة، ونشأ في بيئة ارتبطت بالرياضة والعمل المجتمعي، خصوصا مع المكانة الكبيرة التي احتلتها كرة السلة في المخيم.

ومن أزقة البريج، بدأت ملامح علاقته بالرياضة تتشكل في سنوات صباه، قبل أن تقوده موهبته وشغفه باللعبة إلى نادي خدمات البريج، أحد أعرق الأندية الرياضية الفلسطينية، والذي شكّل على مدار سنوات طويلة مدرسة حقيقية في كرة السلة، وخرّج العديد من اللاعبين الذين مثلوا أندية القطاع والمنتخبات الفلسطينية.

ولم يكتفِ النباهين بالموهبة الفطرية، بل عمل على تطوير نفسه أكاديميا، فحصل على دبلوم التربية الرياضية من معهد الملكة علياء في الأردن، وهو ما ساعده لاحقا في الجمع بين المعرفة الرياضية والممارسة داخل الملاعب.

نجم في جيل العمالقة

ينتمي عارف النباهين إلى الجيل الذهبي الذي برز خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، عندما كانت كرة السلة في مخيم البريج تعيش مرحلة من الازدهار، وتتنافس بقوة على البطولات المحلية.

امتلك النباهين بنية قوية ومهارات فنية مميزة، جعلته واحدا من الأسماء البارزة في صفوف خدمات البريج، وشارك مع أبناء جيله في العديد من المباريات والبطولات، ليشكل مع زملائه إحدى الركائز التي ساهمت في ترسيخ حضور النادي على الساحة الرياضية الفلسطينية.

كما لم يقتصر نشاطه على كرة السلة، إذ كان من الأسماء التي برزت أيضا في لعبة كرة اليد، ما يعكس تعدد اهتماماته الرياضية وقدرته على الحضور في أكثر من مساحة داخل الحركة الرياضية.

وكان من أبرز الأسماء التي ارتبطت بمسيرته في تلك المرحلة الراحل خلف العجلة، حيث شكلا مع جيلهما جزءا من حقبة مهمة في تاريخ الرياضة بمخيم البريج.

وبعيدا عن المهارات داخل الملعب، عُرف النباهين بالانضباط والالتزام والروح الرياضية، وهي صفات جعلته قريبا من الجماهير وزملائه والمنافسين على حد سواء، ورسخت صورته كشخصية رياضية تجاوز تأثيرها حدود نتائج المباريات والبطولات.

f3d2ce93-d4fb-491c-aa5d-6928f8639b67.jpg
 

عطاء متواصل

بعد سنوات اللعب، لم يتوقف ارتباط عارف النباهين بالرياضة، بل انتقل إلى أدوار أخرى في خدمة ناديه ومجتمعه، مواصلا حضوره في المجال الرياضي من بوابة العمل الإداري والتطوعي.

وساهم خلال هذه المرحلة في دعم الأجيال الشابة وتوجيهها نحو الرياضة، انطلاقا من إيمانه بأهميتها في بناء الشخصية وتعزيز روح الانتماء والتكاتف داخل المجتمع.

وكان النباهين عضوا في الاتحاد الفلسطيني لكرة السلة عام 2005، ليصبح بذلك جزءا من العمل الرياضي على مستوى أوسع، بعدما كانت تجربته قد بدأت لاعبا في صالات مخيم البريج.

وامتدت مسيرته من اللاعب الذي يدافع عن ألوان ناديه داخل الملعب، إلى الإداري الذي يساهم في تطوير اللعبة وخدمة الرياضيين خارج الملعب، في مسيرة جمعت بين الموهبة والعطاء والاستمرارية.

غياب الجسد وبقاء السيرة

في يوم الأحد الموافق 22 أكتوبر/تشرين الأول 2023، استشهد عارف النباهين إثر استهداف من قوات الاحتلال الإسرائيلي، برفقة زوجته "أم أحمد"، ليرحل واحد من أبناء الحركة الرياضية في مخيم البريج خلال الحرب التي عصفت بقطاع غزة.

وجاء استشهاده في وقت كانت فيه الرياضة الفلسطينية نفسها تعيش واحدة من أصعب مراحلها، بعدما تحولت المنشآت الرياضية إلى مواقع متضررة، وتوقفت العديد من الأنشطة والمسابقات، فيما فقدت الأسرة الرياضية الفلسطينية عددا من لاعبيها ومدربيها وإدارييها.

لم يكن رحيل النباهين فقدانا لعائلته وأقاربه فحسب، بل شكّل خسارة أيضا لمخيم البريج وللأسرة الرياضية الفلسطينية، التي فقدت أحد أبنائها الذين عاشوا سنوات طويلة في الملاعب وخدموا اللعبة من مواقع مختلفة.

لكن قصة عارف النباهين لا تختصر في لحظة استشهاده، بل تمتد إلى عقود قضاها بين صالات كرة السلة وملاعب الرياضة والعمل الإداري والمجتمعي. وهي سيرة تختزل حكاية جيل آمن بأن الرياضة قادرة على صناعة الفرح رغم الألم، وأن الملاعب يمكن أن تكون مساحة للحياة والانتماء.

وبين أزقة مخيم البريج وصالاته الرياضية، يبقى اسم عارف النباهين حاضرا في ذاكرة من عاصروه، وفي أرشيف الحركة الرياضية الفلسطينية، شاهدا على جيل من الرياضيين الذين حملوا أحلامهم إلى الملاعب، قبل أن تحملهم الحرب بعيدا عنها، فيما بقي إرثهم الرياضي والإنساني جزءا من ذاكرة المكان.

المصدر / فلسطين أون لاين