☰
✕

قائمة الموقع

عام على وقف إطلاق النار في غزة.. حملة الإبادة الجماعية لم تتوقف

2026-10-06T09:07:00+03:00
فلسطين أون لاين

بعد عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025، وثلاثة أعوام على بدء حملة الإبادة الجماعية التي تشنها (إسرائيل) ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، لم يحصل سكان القطاع على الأمان الذي انتظروه.

خفتت أصوات القصف قياسًا بأشد مراحل العدوان، لكن شبح الموت لم يغادر القطاع، مع استمرار القصف وإطلاق النار بأشكال مختلفة ودون سياقات حتى واهية تبرر ذلك، ومع ذلك، واقع معيشي كارثي تحول فيه النزوح وتفاصيله القاسية إلى معاناة يومية وخوف وجوع، والأخطر غياب الأفق وتراجع مستوى الأمل في المستقبل.

الفرق بين ما قبل الاتفاق وما بعده في الوتيرة لا في الطبيعة. وهنا جوهر ما ينبغي قوله في هذه الذكرى: الإبادة الجماعية لم تتوقف، بل تباطأت وتغيّرت أدواتها؛ فغارات الاحتلال الجوية وقصفه المدفعي وإطلاق النار استمرت، وبقي المدنيون يُقتلون ويُصابون داخل منازلهم وخيامهم ومراكز إيوائهم، وأثناء وقوفهم في طوابير الماء والغذاء، أو حين يحاولون الوصول إلى أراضيهم وسبل عيشهم.

القتل لم يتوقف

استمرت بعد وقف إطلاق النار الأنماط ذاتها التي سبقته: قصف ما تبقى من منازل مأهولة وخيام النازحين ومراكز الإيواء، واستهداف التجمعات المدنية، والمركبات، والشرطة أثناء أدائها مهامها المدنية، والصيادين وعمال الإغاثة.

وبقي إطلاق النار قرب ما يسمى الخط الأصفر ومناطق الوصول المقيد يحصد من يحاول تفقد بيته أو الوصول إلى أرضه. وكان الأطفال والنساء وكبار السن بين الضحايا، كما كانوا قبل الاتفاق.

الأرقام والإحصاءات مرعبة؛ خلال عام من إطلاق النار، قتلت قوات الاحتلال بمعدل أربعة فلسطينيين وأصابت 14 يوميًا.

والنتيجة أن المدنيين في غزة ظلوا مكشوفين في كل مكان؛ حيث يسكنون، وحيث يلجؤون، وحيث يقصدون لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

شعور مرعب لدى أكثر من مليوني إنسان في القطاع: أسماؤنا جميعًا على قائمة القتل والاغتيال، كل منا ينتظر دوره، سواء أكان مستهدفًا مباشرًا أم نتيجة استهداف مجاور.

جراح لا تلتئم

الأذى لا يقاس بالأرواح التي أُزهقت وحدها. فقد قدّرت منظمة الصحة العالمية، في تقرير صدر في مايو/أيار 2026، أن نحو 43 ألف شخص تعرضوا منذ بداية الحرب لإصابات يحتمل أن تغيّر مجرى حياتهم: بتر، وفقدان للبصر والسمع، وإصابات في الحبل الشوكي والدماغ، وحروق بالغة.

هؤلاء يحتاجون إلى علاج وتأهيل طويل الأمد، لكنهم يعودون من المستشفيات إلى خيام ومبانٍ متضررة لا تتوافر فيها شروط التعافي، في ظل نقص حاد في خدمات التأهيل والأطراف الصناعية والأدوات المساعدة.

وتتضاعف المأساة لدى الأطفال، إذ تتطلب أجسادهم النامية متابعة مستمرة لا يجدونها.

ويمتد الأذى إلى النفس والعلاقات الاجتماعية، فالخوف من القصف، وفقدان الأقارب، وانتظار المفقودين، وتكرار النزوح، كلها ترافقت مع فقدان العمل والدخل وغياب أي أفق للعودة أو الإعمار.

كما أن تأثيرات الفقد، سواء للأهل والأحبة أو المنازل والممتلكات، عوامل أذى إضافي.

وتظهر التقييمات اضطرابات في نوم الأطفال وسلوكهم، وضغوطًا هائلة على مقدمي الرعاية، واستنزافًا للعاملين الصحيين الذين يقدمون الخدمة وهم أنفسهم فاقدون ونازحون. وانخفاض عدد الضحايا اليومي لم يخفف هذا العبء، ما دامت الأسر عاجزة عن استعادة أبسط شروط الاستقرار.

ظروف معيشية صُمّمت للإهلاك

أخطر ما يكشفه العام الأول بعد الاتفاق أن الظروف التي تهدد بقاء السكان لم تُرفع. فقد بقيت مساحات واسعة من القطاع (70%) تحت السيطرة الإسرائيلية أو ممنوعة الوصول، وحُصر أكثر من مليوني فلسطيني في مساحة ضيقة (30%) تفتقر إلى الخدمات وشروط السكن الآمن، ولا يتوقف استهدافها بالقصف.

أما على صعيد الصحة، فقد بقي تشغيل المستشفيات جزئيًا وهشًا، يتأثر بتعطل المولدات ومحطات الأكسجين وأجهزة التشخيص وسيارات الإسعاف، وبنقص الأدوية والمستهلكات وقطع الغيار، ونقص الوقود أو نفاده.

وانعكس ذلك مباشرة على جميع المرضى، خاصة مرضى السرطان والكلى والقلب والسكري، ممن تتوقف حياتهم على انتظام العلاج.

وظل الإجلاء الطبي أبطأ بكثير من حجم الاحتياج، خاضعًا للموافقات والقيود الإسرائيلية، فيما بقيت مسارات الإحالة المعتادة قبل الحرب إلى مستشفيات الضفة الغربية، ومنها شرقي القدس، معطلة.

على صعيد المأوى، احتاج نحو 94% من السكان إلى مساعدات المأوى والمواد غير الغذائية وفق تقييمات منظمات أممية في يونيو/حزيران 2026، وبقي نحو ثلثي مساحة القطاع غير متاح للسكان أو خاضعًا لقيود وصول شديدة بحلول أواخر أغسطس/آب.

والنتيجة إقامة في خيام مهترئة ومبانٍ متصدعة، وانهيارات متكررة تثبت أن بقاء المبنى قائمًا لا يعني صلاحيته للسكن، وأن منع إدخال مواد التدعيم ومعدات الفحص والإنقاذ يترك الناس أمام أخطار كان يمكن الحد منها.

وبشأن التجويع، تظهر المعطيات الرسمية أن المتوسط اليومي لعدد الشاحنات لا يتجاوز 35% من الحد المعلن ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار، وهو 600 شاحنة يوميًا.

ومع ذلك، فإن العدد وحده لا يروي القصة كاملة؛ فالواردات تركزت في السلع الاستهلاكية، بينما غابت مدخلات الإنتاج والطاقة والإصلاح اللازمة للتعافي. وأعاقت القيود على الأرض والبحر والمعدات استعادة الزراعة والصيد، فبقيت الأسر معتمدة على مساعدات غير منتظمة والاستدانة وبيع ما تبقى من ممتلكاتها، خاصة مع تراجع حجم المساعدات العائلية من الخارج مع طول أشهر الإبادة.

ولا يبدو وضع المياه أحسن حالًا، فقد تعطلت شبكات المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات وإزالة الركام، فعاش الناس قرب تجمعات المياه العادمة والمكبات المؤقتة، وفي مواجهة المرض.

أما التعليم، فكانت الخسارة فيه كارثية، سواء على صعيد الشهداء والمصابين بين الطلبة والمعلمين والعاملين في قطاع التعليم عمومًا، أو في حجم الدمار الذي طال المدارس والجامعات، والمدارس المؤقتة ونظام التعليم البديل على أهميته في الحفاظ على حد أدنى من بقاء الطلبة في دائرة التعليم، إلا أن الواقع يقول إنه لا يرقى إلى المأمول، وحجم الفاقد التعليمي كبير، ومستوى الاستفادة الفعلية من النظام التعليمي الحالي محدود، وينذر بخيبات مستقبلية، فيما تزيد الإصابة والجوع والفقر من احتمالات التسرب والعمل المبكر.

هذه القطاعات ليست ملفات منفصلة، فكل منها يغذي تدهور الآخر: الجريح بلا تأهيل لا يستطيع العمل، والأسرة بلا دخل لا تستطيع إصلاح مسكنها، والمسكن المتصدع يهدد الحياة، والمياه الملوثة تفاقم المرض في منظومة صحية منهكة.

بهذا التشابك تتحول القيود من إجراءات متفرقة إلى بيئة حياة كاملة تُضعف قدرة السكان على البقاء والتعافي.

ما تقوله التصريحات

لا يمكن فصل هذا الواقع عن الخطاب السياسي الإسرائيلي المصاحب له. ففي سبتمبر/أيلول 2026، جدد وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس التأكيد على استعداد حكومته لتنفيذ خطط نقل السكان إلى الخارج، وربط ذلك بالموقف الأمريكي، بالتزامن مع تأكيد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عدم الانسحاب من المناطق التي تسيطر عليها قواته.

وطرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خطة لإخراج معظم سكان القطاع خلال سنوات تحت مسمى "الهجرة الطوعية".

وتكتسب هذه الدعوات معناها من الظروف المفروضة على الأرض. فحين يُحرم الناس من السكن والعلاج والغذاء والعمل، ثم يُمنعون من إصلاح ما دُمّر، يصبحون تحت ضغط متواصل للمغادرة، ويفقد الاختيار كل معنى حر.

الهجرة التي تُصنع بالحرمان ليست طوعية، وهي تكشف الاتجاه الذي تسير فيه الوقائع والتصريحات معًا، وهو ما ينبغي أن يُبحث في ضوء القصد الخاص إلى تدمير الجماعة الفلسطينية كليًا أو جزئيًا.

الاتفاقية لا تعرف هدنة

يتردد أحيانًا أن وقف إطلاق النار يطوي صفحة الإبادة. غير أن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها تحسم المسألة منذ مادتها الأولى، إذ تؤكد أن الإبادة جريمة، سواء ارتُكبت في السلم أم في الحرب.

فالأفعال المنصوص عليها في المادة الثانية، وهي قتل أفراد الجماعة، وإلحاق أذى جسدي أو عقلي جسيم بهم، وإخضاعهم عمدًا لظروف معيشية يُراد بها تدميرهم المادي كليًا أو جزئيًا، لا تسقط بإعلان التهدئة.

وما وثّقته المنظمات الحقوقية الفلسطينية والدولية خلال العام الأول بعد الاتفاق يشير إلى أن هذه الأفعال الثلاثة ما زالت قائمة، وإن اختلفت وتيرتها.

وإذا كانت بعض التدخلات الإنسانية خففت بعض مظاهر المعاناة، مع تحسن دخول بعض الإمدادات في فترات محددة، إلا أن ذلك لم يعالج المشكلة، فالإغاثة التي تعالج الأعراض بينما تبقى أسباب المرض قائمة ليست حلًا.

عام بلا مساءلة

ومضى العام من دون حماية فعلية تحول دون تكرار هذه الجرائم، ومن دون مساءلة تردع مرتكبيها.

فالوعود التي رافقت الاتفاق وخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تترجم إلى إعادة إعمار تتيح للسكان العودة إلى مساكنهم وأعمالهم.

ولم يحاسب أحد على ما جرى خلال ثلاثة أعوام، ولا على ما يجري اليوم تحت مظلة وقف النار المزعوم.

وهنا تقع المسؤولية على الدول الأطراف في اتفاقية منع الإبادة، فالتزامها بالمنع لا يتوقف عند حدود الأقوال، وهي مطالبة بضمان امتثال إسرائيل للتدابير المؤقتة التي أصدرتها محكمة العدل الدولية، وباتخاذ ما يلزم لوقف الأفعال التي قد تسهم في استمرار الجريمة، ودعم مسارات المساءلة والمحاسبة، وضمان جبر أضرار الضحايا وتعويضهم.

أما المجتمع الدولي فمطالب بالضغط من أجل رفع الحصار وإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء، وإعادة تأهيل المرافق والخدمات، واستعادة سبل الإنتاج والعيش، وتمكين النازحين من العودة الطوعية والآمنة إلى مناطقهم.

بعد ثلاثة أعوام وبعد آلاف الشهادات على معاناة أهل غزة وإبادتهم، التي وثقتها الأمم المتحدة والمنظمات الصحية والإنسانية والحقوقية بالأرقام والأسماء، يحتاج أهل غزة إلى أن يتحول التوثيق إلى فعل: وقف للقتل، ورفع للقيود، وإعادة للإعمار، ومحاسبة للمسؤولين الإسرائيليين.

إن وقف إطلاق النار الذي لا ينهي القتل، ولا يرفع الحصار، ولا يتيح الإعمار، ولا يفتح باب العدالة، هو مجرد تغيير في إيقاع الجريمة.

والذكرى التي نحييها اليوم ليست ذكرى نهاية حرب، بل ذكرى عام آخر من استمرار الإبادة، ومن عالم يعرف ما يجري ويتأخر في أن يفعل شيئًا حياله.

اخبار ذات صلة