أكد الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي سليمان بشارات أن عملية "السابع من أكتوبر" أحدثت "عقدة عميقة" في الذهنية والعقلية الإسرائيلية، مسببة تصدعاً داخلياً وتراجعاً استراتيجياً حاداً على المستويين الإقليمي والدولي.
وأوضح الخبير في تصريح خاص لموقع فلسطين اون لاين أن تداعيات هذه المواجهة وضعت "إسرائيل" أمام معضلة تاريخية تتعلق بكيفية ترميم خسائرها السياسية وسرديتها الأمنية التي تهاوت، مشيراً إلى أن هذه العقدة ضربت المنظومة الإسرائيلية في مقتل على ثلاثة مستويات رئيسية تشمل المستوى السياسي، والمنظومة الأمنية والاستخباراتية، والمستوى المجتمعي، وهو ما يفسر المبالغة المفرطة في استخدام القوة العسكرية كأثر مباشر لمحاولة إزاحة هذه العقدة النفسية والتخلص من شبح الضعف المستقبلي.
وأشار التحليل إلى أنه على الرغم من انخراط "إسرائيل" في مواجهات عسكرية واسعة وممتدة على جبهات متعددة شملت قطاع غزة، ولبنان، وسوريا، واليمن، وإيران، إلا أنها تفشل حتى اللحظة في تحقيق أي حسم عسكري ملموس في هذه الملفات المعقدة، بالتوازي مع تراجع مكانتها الدولية بشكل ملحوظ.
واعتبر الباحث أن الخطاب الأخير لرئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو أمام الأمم المتحدة كان بمثابة اجترار للمواقف القديمة وعجز عن إقناع أقرب حلفاء "تل أبيب" التقليديين، حيث تعكس مهاجمته لفرنسا وبريطانيا عمق الأزمة الدبلوماسية، لافتاً إلى أن بريطانيا -التي تعد تاريخياً أصل وجود المشروع الصهيوني- باتت اليوم عاجزة عن الدفاع علناً عن هذا المشروع بسبب الضغوط وحجم الخسائر السياسية.
واختتم الخبير قراءته للمشهد بالإشارة إلى أن "إسرائيل" تشهد حالياً نقاشاً داخلياً خطيراً يقوده مؤرخون ونقاد حول مستقبل الدولة ومفهوم هويتها الجامعة، حيث بات طغيان المصالح السياسية الشخصية وصعود اليمين المتطرف والأيديولوجيات الدينية يهدد بتفكك حالة التماسك القديمة لما كان يُعرف بـ "الدولة القومية واليهودية"، مؤكداً أن فائض القوة العسكرية لم يعد كافياً لحجب حقيقة الزعزعة والضعضعة التي تضرب الكيان من الداخل وتدفع به نحو حالة تصدع غير مسبوقة.
وتأتي هذه القراءة في ظل تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، التي خلّفت آثارًا سياسية وأمنية ومجتمعية عميقة، وأعادت طرح تساؤلات داخلية وخارجية حول مستقبل الاحتلال وقدرته على ترميم صورته ومكانته بعد ما أحدثته الحرب من تحولات واسعة على مختلف المستويات.