فلسطين أون لاين

الشهيد ديب حسين.. "ساعد فلسطين" الذي حوّل القوة إلى رسالة وطنية

...
الشهيد ديب علي ديب حسين
غزة/ إبراهيم أبو شعر:

ستبقى ذاكرة الرياضة الفلسطينية شاهدة على حجم الخسارة التي لحقت بالحركة الرياضية خلال حرب الإبادة، بعدما فقدت العديد من أبطالها ولاعبيها ومدربيها وكوادرها، الذين لم تكن الملاعب والحلبات بالنسبة لهم مجرد ساحات للمنافسة، بل مساحات لرفع العلم الفلسطيني وإثبات حضور الوطن في المحافل العربية والدولية.

ومن بين هؤلاء الأبطال، يبرز اسم الشهيد ديب علي ديب حسين، الذي تحوّلت مسيرته الرياضية إلى قصة تختصر الكثير من معاني الإصرار والانتماء، بعدما أمضى سنوات طويلة في رياضة مصارعة الذراعين، لاعبا وبطلا ومدربا وحكما وإداريا، قبل أن يرتقي بعد استهدافه خلال الحرب على قطاع غزة.

ولد ديب حسين في مخيم البريج وسط قطاع غزة، في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1979، ومنذ سنواته الأولى في عالم الرياضة، برز كواحد من أبرز الأسماء في مصارعة الذراعين، وهي رياضة تتطلب قوة بدنية كبيرة إلى جانب التركيز والقدرة على التحمل والإصرار.

لكن بالنسبة إليه، لم تكن مصارعة الذراعين مجرد اختبار للقوة أو وسيلة لحصد الميداليات. فقد وجد فيها طريقا لإثبات الذات، ووسيلة لحمل اسم فلسطين إلى البطولات الخارجية، والوقوف على منصات التتويج رافعا العلم الفلسطيني.

3f03bd3d-c708-4c2a-bc33-c666890e5c44.jpg
 

8 ذهبيات وبطولة العرب

ارتبط اسم ديب حسين بالإنجازات والبطولات على مدار أكثر من عقد، ونجح في ترك بصمة واضحة في سجل مصارعة الذراعين الفلسطينية والعربية.

وكان من أبرز محطاته مشاركته في البطولة العربية لمصارعة الذراعين التي أقيمت في العاصمة المصرية القاهرة، حيث عاد إلى قطاع غزة متوجا بلقب بطل العرب، بعدما حصد ثماني ميداليات ذهبية في مختلف الأوزان، في إنجاز استثنائي عكس المستوى الذي وصل إليه وقدرته على منافسة أبرز أبطال اللعبة في المنطقة.

ولم تقتصر إنجازاته على البطولات العربية، إذ سجل حضورا في بطولات العالم أيضا، وحصل على المركز الخامس في بطولة العالم التي أقيمت في الهند، بمشاركة 40 دولة، فيما نال المركز السادس في بطولة العالم التي أقيمت في مصر.
وعلى المستوى المحلي، حافظ ديب حسين على حضوره بين أصحاب المراكز الأولى في العديد من بطولات مصارعة الذراعين التي أقيمت في قطاع غزة، ليصبح مع مرور السنوات أحد أبرز رموز هذه الرياضة الفلسطينية.

من بطل على الحلبة إلى صانع للأبطال

لم تتوقف مسيرة ديب حسين عند حدود المنافسة والتتويج، إذ انتقل من دور اللاعب إلى أدوار أخرى أسهمت في تطوير اللعبة داخل قطاع غزة.

وتولى منصب رئيس اللجنة الفنية في الاتحاد الفلسطيني لمصارعة الذراعين، وكان حاضرا في تنظيم البطولات المحلية والإشراف على الجوانب الفنية، إلى جانب المساهمة في ترسيخ قواعد اللعبة وتوسيع انتشارها بين الشباب والرياضيين.

ولهذا السبب، لم يكن رحيله خسارة للاعب فحسب، بل خسارة لكادر رياضي ساهم في بناء جيل جديد من ممارسي مصارعة الذراعين في غزة.

وعرفه الرياضيون أيضا بلقب "المعلم"، بعدما كرّس جانبا كبيرا من خبرته لتدريب الأجيال الشابة، وأشرف على إعداد وتخريج عشرات اللاعبين الذين واصلوا ممارسة اللعبة والمنافسة في البطولات المحلية.

ومن بين أبرز من حملوا إرثه الرياضي، نجله علي، الذي واصل الطريق بعد والده ونجح في حصد المراكز الأولى، ومن بينها التتويج في بطولة "الوفاء للشهداء"، في مشهد حمل رمزية خاصة لعائلة فقدت أحد أبرز أعمدتها، لكنها اختارت أن تواصل المسيرة عبر الرياضة.

48e61318-cb14-4980-9ee6-fdad81d4bf2c.jpg
 

الرياضة في مواجهة الحرب

حتى خلال الظروف الصعبة التي عاشها قطاع غزة، ظل ديب حسين متمسكا بدور الرياضة في الحفاظ على الروح المعنوية للشباب، ولم يتخل عن محاولاته لإبقاء النشاط الرياضي حاضرا رغم الحرب والدمار.

وكان من بين المحطات التي ارتبطت باسمه إشرافه على تنظيم بطولة غزة لمصارعة الذراعين في مخيم النصيرات، في محاولة للحفاظ على النشاط الرياضي ومنح الشباب مساحة لممارسة الرياضة والتنافس، رغم الظروف القاسية التي فرضتها الحرب على مختلف مناحي الحياة.

وبالنسبة إلى رياضيين كثيرين، كانت إقامة مثل هذه البطولات أكثر من مجرد منافسات رياضية، إذ حملت رسالة تمسك بالحياة، وإصرارا على عدم السماح للحرب بإلغاء حضور الرياضة الفلسطينية أو طمس دورها في المجتمع.

الرحيل وبقاء الإرث

في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2024، انتهت مسيرة ديب حسين الرياضية والإنسانية، بعدما استشهد إثر قصف مدفعي استهدف مخيم البريج، لينضم إلى قائمة طويلة من الرياضيين واللاعبين والمدربين وكوادر الحركة الرياضية الفلسطينية الذين فقدوا حياتهم خلال الحرب.

رحل الرجل الذي قضى سنوات في بناء الأبطال، تاركا وراءه سجلا حافلا بالإنجازات، وذكريات لا تزال حاضرة لدى اللاعبين الذين تدربوا على يديه، والرياضيين الذين شاركوه المنافسات، وأبناء عائلته الذين يواصلون حمل اسمه.

ولم يتوقف حضور اسمه عند لحظة استشهاده، إذ حرص الاتحاد الفلسطيني والأندية المحلية على تخليد ذكراه من خلال إطلاق اسمه على بطولات تقام في مخيمات المنطقة الوسطى، ليبقى حاضرا في المكان الذي أحبه، وبين الرياضيين الذين أفنى سنوات من عمره في تدريبهم.

وبين الميداليات الذهبية التي حصدها، والأبطال الذين دربهم، والبطولات التي ساهم في تنظيمها، بقيت قصته تختصر معنى آخر للرياضة الفلسطينية: قوة لا تُقاس بالعضلات وحدها، وإنما بالقدرة على الصمود، والاستمرار، وحمل اسم فلسطين مهما كانت قسوة الظروف.

إنه "ساعد فلسطين" الذي رحل جسدا، لكن إرثه الرياضي بقي حاضرا في أيدي اللاعبين الذين علّمهم، وفي البطولات التي تحمل اسمه، وفي ذاكرة وطن لا ينسى أبناءه الذين صنعوا المجد قبل أن تُسكت الحرب أصواتهم.

المصدر / فلسطين أون لاين