من رفح التي تنبض بحب كرة القدم، من حاراتها ومخيماتها وشوارعها وأسواقها، حيث لا يكاد يخلو حديث أو نقاش من أخبار اللاعبين والبطولات المحلية والعربية والدولية، خرجت حكاية حارس مرمى ترك بصمته في ملاعب المدينة، قبل أن تنهي الحرب حياته وتفتح في ذاكرة رفح فصلا جديدا من الألم والفقدان.
ارتبطت رفح على مدار سنوات طويلة بالبطولات والتتويج، وبرز منها عدد كبير من نجوم كرة القدم الفلسطينية، ومن بينهم حارس مرمى نادي خدمات رفح محمود الجزار، الذي ارتقى شهيدا جراء قصف منزله، تاركا خلفه مسيرة رياضية حافلة بالألقاب والذكريات.
جاءت حرب الإبادة على غزة لتكتب فصلا جديدا في سجلات الألم والقهر، وكانت لرفح، التي استقبلت أعدادا كبيرة من النازحين في بداية الحرب، مأساة لا تزال فصولها تحكى.
فقد عاث الاحتلال الإسرائيلي في المدينة خرابا ودمارا، وتبدلت معالمها، وتحول جميع سكانها إلى نازحين ومشردين، فيما فقدت المدينة خلال الحرب أبناءها وذكرياتها ومساحات واسعة من حياتها اليومية.
ومن بين تلك الذكريات حكاية محمود أسامة خليل الجزار، المعروف بلقب "كنجول"، من مواليد مدينة رفح في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 1990، والذي ارتبط اسمه بكرة القدم منذ سنوات طفولته الأولى.
البداية من الساحات الشعبية
بدأ الجزار مشواره مع كرة القدم في فرق الساحات الشعبية والمدارس، قبل أن تظهر موهبته في مركز حراسة المرمى، ليجد طريقه إلى نادي القادسية، وكان المدرب الراحل نايف عبد الهادي يتولى تدريب الفريق في تلك الفترة.
هناك بدأت أولى محطات التألق، عندما ساهم الجزار مع القادسية في رحلة الصعود من الدرجة الثالثة إلى الثانية، ثم واصل الفريق تقدمه حتى وصل إلى الدرجة الأولى، قبل أن يبلغ دوري الدرجة الممتازة عام 2017 تحت قيادة المدرب نادر النمس، نجم المنتخب الوطني ونادي خدمات رفح السابق.
وخلال وجود الشهيد محمود الجزار في صفوف القادسية، كان الفريق مثار إعجاب المتابعين والرياضيين، بعدما نجح في التدرج سريعا بين الدرجات، متفوقا على عدد من الأندية الغزية، مستفيدا من مجموعة من نجوم الكرة الرفحية الذين قدموا نموذجا في القدرة على المنافسة والتألق.
مرحلة النجومية
وكان الجزار واحدا من أبرز الأسماء التي لفتت الأنظار، ومع بروز نجوميته بدأت أندية رفح تتطلع إلى الحصول على خدماته، لتكون وجهته التالية نادي خدمات رفح، تحت قيادة المدرب إسلام أبو عريضة، نجم المنتخب الوطني وخدمات رفح السابق.
مع خدمات رفح دخل الجزار مرحلة جديدة من مسيرته، انتقل خلالها من مرحلة إثبات الذات إلى المنافسة على البطولات والألقاب. وفتح مشوار التتويج أبوابه أمام الحارس الرفحي، فأحرز مع ناديه بطولة الدوري العام مرتين عامي 2019 و2023، كما توج بلقب كأس غزة عام 2019 بعد الفوز على اتحاد الشجاعية بركلات الترجيح في ملعب اليرموك.
كانت تلك البطولات ثمرة سنوات طويلة قضاها الجزار في الملاعب، منذ بداياته في الساحات الشعبية وصولا إلى منصات التتويج، حيث عاش مع زملائه وجماهير ناديه لحظات الانتصار، وشاركهم أيضا مرارة الخسارة، في مشهد يجسد العلاقة الخاصة التي تجمع لاعبي رفح بكرة القدم وجماهيرها.
الشهادة
لكن قصة الشهيد محمود الجزار لم تكتب لها النهاية برحيله يوم الثلاثاء 7 مايو/أيار 2024، بل بدأت فصلا جديدا سيبقى محفورا في ذاكرة أجيال رفح والرياضة الفلسطينية، وسيظل شاهدا على مأساة الرياضيين الفلسطينيين الذين حرمهم الاحتلال من مواصلة حياتهم وأحلامهم في الملاعب.
كان محمود لاعبا يعيش للكرة، يتدرب ويخوض المباريات ويحتفل مع جماهيره بالانتصارات، قبل أن تتحول حياته وحياة الرياضيين في غزة إلى مشهد مختلف فرضته الحرب. توقفت البطولات، وتعرضت المنشآت الرياضية للدمار، وتشتت اللاعبون، وفقدت الرياضة الفلسطينية عددا كبيرا من أبنائها.
ومع ذلك، لم تفقد رفح علاقتها بكرة القدم. بين الخيام وعلى رمال البحر، وبين الركام، لا تزال الكرة تداعب أقدام شبابها وأطفالها، الذين يتمسكون بجمال اللعبة ومتعتها رغم المعاناة وقسوة الحياة التي فرضتها الحرب.
تبقى حكاية محمود الجزار واحدة من حكايات رفح الرياضية، حارس المرمى الذي بدأ من الساحات الشعبية، وصعد مع القادسية حتى الممتازة، ثم حقق البطولات مع خدمات رفح، قبل أن يرتقي شهيدا ويترك خلفه اسما لا يزال حاضرا في ذاكرة المدينة.
رفح التي أنجبت محمود الجزار ونجوما آخرين، لا تزال تعشق كرة القدم، وتنتظر أن تعود ملاعبها إلى الحياة، وأن يعود أطفالها إلى اللعب دون خوف، لتواصل المدينة صناعة حكايات جديدة تضاف إلى تاريخها الرياضي.