في لحظة واحدة، تحوّل محمد الراس (40 عامًا) من أب يحمل مسؤولية خمسة أبناء وأم مسنّة مريضة، إلى رجل يحتاج إلى من يسنده في أبسط تفاصيل يومه، شظية أصابته خلال استهداف مدرسة حمامة في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، في 27 أغسطس/آب 2024، بترت أصابع قدمه اليسرى، وتركت خلفها حياة أخرى يحاول أن يتعلم كيف يعيشها وسط الحرب والنزوح.
لم يكن الراس قريبًا من مدرسة حمامة حين تعرضت المنطقة للاستهداف بحزام ناري إسرائيلي، كان في الشارع الأول من الحي، عند مفترق السوق، قبل أن تصل إليه شظية لم يشعر بها في اللحظة الأولى. ومن شدة الصدمة، اندفع راكضًا باتجاه مكان الاستهداف، دون أن يدرك أن الإصابة كانت قد لحقت به.
ويقول لصحيفة "فلسطين": "بدأت أركض باتجاه المنطقة المستهدفة دون وعي، حتى نبهني الشباب بأنني مصاب وأنزف من قدمي اليسرى".
عندها فقط أدرك أن أصابع قدمه قد بُترت، لم يستوعب المشهد طويلًا، إذ فقد وعيه في المكان، قبل أن يفتح عينيه داخل المستشفى الأهلي العربي المعمداني.
مكث في المستشفى فترة قصيرة، وخضع لعملية تجميل بسيطة، ثم عاد إلى منزله لاستكمال علاجه لاكتظاظها بالجرحى والمصابين، لكن العودة إلى البيت لم تكن عودة إلى حياته السابقة؛ فقد أصبح تغيير الضمادات والعناية بالجرح جزءًا من يومه، وكان يستعين بالممرضين الذين يحضرون إلى المنزل لإجراء الغيارات.
وفي بيت أنهكته الحرب والنزوح، لم يكن أمام الراس وقت طويل للحزن على ما فقده، فهناك ثلاث بنات وولدان ينتظرون احتياجاتهم اليومية، وأم مسنّة تعاني عدة أمراض مزمنة تحتاج إلى الرعاية.
فكان الرجل قبل إصابته هو من يحمل أعباء أسرته، أما اليوم فأصبح أطفاله الخمسة جزءًا من منظومة إعانته، يساعدونه في تنقلاته، ويحملون عنه بعض المهام، ويذهبون لجلب المياه والطعام من التكية، في مشهد انقلبت فيه الأدوار داخل الأسرة بفعل الإصابة والحرب.
ويضيف: "أولادي أصبحوا يساعدونني في كل شيء تقريبًا، من جلب المياه إلى إحضار الطعام من التكية، كنت أنا من ألبي احتياجاتهم، أما اليوم فأصبحت بحاجة إليهم".
ولا يقتصر الأمر على الأبناء؛ فمسؤولية والدته المسنّة والمريضة لا تزال حاضرة في ذهنه، على الرغم من أن قدرته على الحركة والعمل أصبحت محدودة.
ويحاول الراس منذ أكثر من عام أن يتكيف مع فقدان قدمه، لكنه لا يزال بحاجة إلى رحلة علاج جديدة خارج قطاع غزة. فالعلاج الذي تلقاه لم يكن كافيًا لإنهاء معاناته، ويحتاج إلى استكمال الرعاية الطبية وإجراء عملية تجميلية، إلى جانب التأهيل وتركيب طرف صناعي ملائم.
وكان قد حصل على طرف صناعي من إحدى المؤسسات، لكنه لم يتمكن من استخدامه، ما زاد من صعوبة عودته إلى الحركة بصورة طبيعية.
"استلمت طرفًا صناعيًا، لكنني لم أستطع التعامل معه، وأحتاج إلى طرف مناسب لحالتي وإلى تدريب وتأهيل حتى أستطيع استخدامه"، وفق حديث الراس.
فلا يبحث الراس عن استعادة حياته القديمة بالكامل بقدر ما يريد استعادة الحد الأدنى من قدرته على الاعتماد على نفسه؛ أن يتحرك دون أن يثقل على أبنائه، وأن يتمكن من رعاية والدته، وأن يعود أبًا قادرًا على القيام بما اعتاد أن يفعله لعائلته.
وتحت وطأة الحصار الإسرائيلي المتزامن مع حرب الإبادة، يبدو الحصول على فرصة للعلاج حلما لنحو 20 ألف مريض وجريح في غزة.
يختم الراس حديثه: "أمنيتي أن أسافر لاستكمال علاجي، وأجري العملية التي أحتاج إليها، وأحصل على طرف صناعي، حتى أستطيع الحركة وخدمة أولادي ووالدتي كما كنت أفعل من قبل".

