على امتداد مخيمات النزوح في منطقة “فش فرش الشمالي” بمواصي رفح، تتراكم احتياجات آلاف الأسر النازحة، في حين تتراجع الاستجابة الإنسانية وتغيب المساعدات مدة طويلة، لتجد العائلات نفسها أمام واقع معيشي قاسٍ، يزداد صعوبة مع اقتراب فصل الشتاء.
وفي وقفة نظمتها الأسر النازحة في المنطقة، أمس، وجّه المشاركون مناشدة عاجلة إلى المؤسسات الدولية والجهات المانحة والجمعيات الأهلية، مطالبين بتدخل سريع لتوفير لوازم الإيواء والغذاء والمياه والإنارة والأدوية ومواد النظافة، والعمل على حمايتهم من مخاطر الشتاء، وضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة التي تحفظ كرامتهم الإنسانية.
وتضم المنطقة، وفق مسؤول المخيمات أحمد حسن النجار، نحو 35 مخيمًا تؤوي قرابة 6 آلاف أسرة، في حين يقدّر عدد أفرادها بعشرات الآلاف، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال والنساء وكبار السن، يعيش معظمهم في خيام وشوادر تفتقر إلى أبسط مقومات الحماية من البرد والأمطار والرياح.
وتقول الفتاة رهف صالح، في مناشدة وجهتها إلى المؤسسات والجمعيات الخيرية، إن الأسر النازحة تواجه احتياجات عاجلة، في مقدمتها الخيام والأغطية والفرشات، والطرود الغذائية ومياه الشرب والاستخدام اليومي، إلى جانب أدوات النظافة والأدوية ومستلزمات الإنارة.
وتضيف أن العائلات تنتظر “مساعدات عاجلة والاحتياجات الأساسية” التي يمكن أن تخفف من معاناتها، مؤكدة استعداد القائمين على المخيمات لتوفير القوائم والإحصاءات والتقارير الميدانية التي توضح احتياجات الأسر الأكثر ضعفًا.
مساعدات لا تصل إلى الجميع
ولا تقتصر معاناة النازحين على نقص المساعدات، بل تمتد إلى ما يقولون إنه تفاوت في وصولها وتغطيتها بين المخيمات.
ويقول العبد محمود صالح، من مخيم التعاون المتاخم لشارع الرشيد، إن سكان المنطقة يشعرون بأنهم محرومون من نصيبهم من المساعدات، مضيفًا أن بعض المخيمات، بحسب وصفه، تحصل على خدمات ومساعدات أكثر من غيرها.
ويطالب صالح المؤسسات المشرفة على عمليات التوزيع بتحقيق العدالة في إيصال المساعدات، قائلًا إن سكان المخيمات الواقعة في هذه المنطقة يعيشون ظروفًا قاسية، في حين لا تصل إليهم المساعدات بالقدر الذي يحتاجون إليه.
أما إياد الشاعر، من مناطق مواصي رفح، فيصف احتياجات النازحين بأنها واسعة ومتراكمة، مشيرًا إلى نقص الغذاء والدعم ولوازم الإيواء، خصوصًا مع اقتراب الشتاء.
ويقول إن كثيرًا من الأسر لا تملك خيامًا أو شوادر تقيها البرد والأمطار، مشيرًا إلى ارتفاع أسعار الشوادر في الأسواق إلى نحو 350 شيكلًا، وهو مبلغ يقول إن كثيرًا من النازحين لا يستطيعون توفيره مع انعدام مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.
“منذ نزوحنا لم نرَ شيئًا”
ويحمل إسماعيل أبو جزر تجربته الشخصية لتكون دليلا على حجم المعاناة التي يقول إنها طالت أسرًا نازحة من رفح.
يقول أبو جزر إن الاحتلال الإسرائيلي دمر منزله في السابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقتل أفرادًا من أسرته، ثم أجبر على النزوح من رفح في السادس من مايو/أيار 2024.
ومنذ ذلك الوقت، وفق روايته، لم يحصل على خيمة أو شادر أو مساعدة إغاثية، بالرغم من مشاهدته شاحنات مساعدات تمر عبر المنطقة.
ويقول: “إحنا بدنا حقنا”، مطالبًا المؤسسات بالالتفات إلى الأسر النازحة في جنوب القطاع، وعدم تركها خارج دائرة الاستجابة الإنسانية.
ويشارك عبد الرحمن محمد القطروس، النازح من رفح إلى منطقة شارع الرشيد في مواصي خان يونس، في المطالبة بمراجعة آليات توزيع المساعدات، متسائلًا عن المعايير التي تحدد الأسر المستفيدة.
ويقول إن النازحين يحتاجون بصورة خاصة إلى الشوادر والخيام ومصادر الإنارة، مشيرًا إلى أن بعض المستلزمات الإغاثية تظهر في الأسواق للبيع، وهو ما يطرح، بحسب قوله، تساؤلات لدى النازحين بشأن آليات توزيعها ووصولها إلى مستحقيها.
مشاريع متوقفة وأخرى لم تشمل الجميع
ويقول أحمد حسن النجار، مسؤول مخيمات منطقة شمال فش فرش، إن عددًا من المؤسسات نفذ تدخلات إغاثية جزئية في المنطقة، لكنها لم تشمل جميع الأسر والمخيمات.
ويشير إلى أن مشروعًا لتوفير كشافات الإنارة غطى 20 مخيمًا من أصل 32، بينما بقيت مخيمات أخرى دون استفادة، كما يقول إن بعض المشاريع توقفت بعد تغطية جزء من الأسر، في حين لا تزال أسر أخرى تنتظر استكمالها.
ويذكر النجار عددًا من المؤسسات والجهات التي يقول إنها نفذت مشاريع جزئية أو أجرت عمليات حصر للأسر دون استكمال التدخلات، مطالبًا هذه المؤسسات بمراجعة برامجها وإعطاء الأولوية للمخيمات والأسر التي لم تحصل على المساعدات.
ويؤكد أن الاحتياجات الأكثر إلحاحًا تتمثل في الخيام والشوادر والأغطية والملابس والطرود الغذائية والصحية والمستلزمات الطبية والأدوية ومياه الشرب والإنارة.
الشتاء يضاعف الخطر
ومع اقتراب فصل الشتاء، يخشى النازحون أن تتحول ظروف الإيواء الحالية إلى أزمة أشد قسوة، مع هشاشة الخيام والشوادر وغياب البنية التحتية اللازمة لتصريف مياه الأمطار والحماية من الرياح والبرد.
وتقول الأسر إن توفير لوازم الإيواء لم يعد ترفًا أو مطلبًا ثانويًا، بل حاجة عاجلة لحماية الأطفال وكبار السن والنساء، الذين يعيشون في ظروف بالغة الهشاشة.
وفي ختام مناشدتهم، طالب النازحون المؤسسات الدولية والمحلية والجمعيات الأهلية والجهات المانحة بالتحرك العاجل، وتقييم الاحتياجات ميدانيًا، وضمان وصول المساعدات إلى الأسر الأكثر احتياجًا، بعيدًا عن أي فجوات في التغطية.
وبين خيام متهالكة وشوادر لا تكفي لصد الرياح، ينتظر آلاف النازحين في فش فرش الشمالي استجابة لا تؤجل إلى ما بعد هطول المطر؛ استجابة توفر لهم مأوى يحميهم، وماءً وغذاءً ودواءً وإنارة، وتمنحهم ما يطالبون به قبل كل شيء: حياة تحفظ كرامتهم الإنسانية.

