في صباح 27 يوليو/تموز 2025، خرجت نيفين أبو ناموس برفقة زوجها الدكتور عبد الباسط أبو ناموس نحو منزلهما في تل الزعتر شمال قطاع غزة، بعد أن أجبرا على النزوح منه بسبب الحرب. كانت تريد أن ترى البيت الذي غاب عنهما طويلًا، وتطمئن إلى ما بقي منه، لكن المسافة القصيرة التي تفصلها عن منزلها تحولت إلى بداية غياب لم ينتهِ حتى اليوم.
كان الزوجان يسيران معًا في منطقة خالية، ولم يكن يفصل بينهما وبين البيت سوى نحو مائة متر، عندما سقطت قذيفة بالقرب منهما، أعقبها إطلاق نار كثيف. أصيب أبو ناموس، وفي لحظات الفوضى والغبار تفرقا، ولم يتمكن منذ ذلك الوقت من معرفة ما حل بزوجته، التي كانت تبلغ آنذاك 46 عامًا.
يقول أبو ناموس لصحيفة "فلسطين": "كنا معًا وذهبنا لتفقد المنزل، وكانت نيفين هي التي ترغب في الذهاب. عندما اقتربنا من البيت، ولم يكن يفصلنا عنه سوى نحو مائة متر، أُطلقت علينا قذيفة، ثم بدأ إطلاق النار، فأُصبت وتفرقنا عن بعضنا".
كان الوقت، بحسب تقديره، بين التاسعة والنصف والعاشرة صباحًا. وبعد إصابته بقي في المكان نحو ساعتين ونصف، في حين استمر القصف في المناطق المحيطة، قبل أن يتمكن من الانسحاب والنجاة.
ولم يكن قادرًا على رؤية نيفين في تلك اللحظات. فالغبار الكثيف غطى المكان، كما أن ضعف السمع لديه حرمه من التأكد مما إذا كانت قد نادته أو حاولت التواصل معه.
ملاحقة أثر
منذ اختفائها، حاول أبو ناموس العودة إلى المكان الذي افترق فيه عنها، لكنه لم يتمكن من الوصول إليه بسبب استمرار وجود قوات الاحتلال في المنطقة.
ويقول: "حاولت الذهاب إلى هناك مرات عدة، لكن الاحتلال كان موجودًا في المنطقة. وحتى عندما حدث وقف إطلاق النار، بقيت أكثر من أسبوع في معسكر جباليا، كما بقيت أكثر من أسبوع في المستشفى اليمني، ولم أستطع الوصول إلى منطقتي".
ومع إغلاق الطريق أمامه، بدأ البحث عبر المؤسسات والمنظمات الإنسانية والحقوقية. تواصل مع الصليب الأحمر، ومنظمة أطباء بلا حدود، ومؤسسة الضمير، ومركز الميزان، إضافة إلى محامين ومؤسسات أخرى، وأعطاهم وصفًا دقيقًا للمكان الذي فقدت فيه زوجته.
ويضيف: "تواصلت مع الصليب الأحمر مرات عدة، وطلبت منهم الوصول إلى المكان والبحث عنها، ووصفت لهم الموقع بالتفصيل، في تل الزعتر، والسكة، وأرض دبور، لكن أحدًا لم يتمكن من الوصول إلى المنطقة".
وبحسب الزوج، اقتصرت محاولات بعض المؤسسات على متابعة ملفات المعتقلين، في حين لم يتمكن أحد من الوصول ميدانيًا إلى المكان الذي يرجح أنه شهد اختفاء نيفين.
بحث بين الجثامين
لم يحصر أبو ناموس احتمالاته في الاعتقال، بل بحث أيضًا عن أي دليل يمكن أن يؤكد استشهاد زوجته، وتنقل بين مستشفيات قطاع غزة، وسأل الجهات المختصة بالأدلة الجنائية عن الجثامين التي وصلت إليها.
ويقول: "بحثت في مستشفيات قطاع غزة، وتواصلت مع الأدلة الجنائية، وسألت عن الجثامين التي وصلت إلى مستشفى الشفاء، لكنهم نفوا وجود أي أثر لها. ولم أجد ما يؤكد أنها استشهدت".
وفي محاولة أخرى، عاد إلى مستشفى الشفاء للاطلاع على الصور المتوفرة للجثامين، على أمل أن يجد بينها ما يساعده على معرفة مصيرها، لكنه لم يعثر على ما يدل عليها.
ذلك الغياب الكامل لأي دليل جعله يتمسك باحتمال آخر: أن تكون نيفين محتجزة لدى الاحتلال.
باب الأمل
لاحقًا، بدأ أبو ناموس يستمع إلى شهادات أسرى أُفرج عنهم، نقل بعضهم معلومات عن سماع اسم نيفين أو رؤيتها في أماكن مختلفة. ولم تكن تلك الروايات أدلة نهائية، لكنها أعادت إليه الأمل بإمكانية أن تكون زوجته على قيد الحياة.
ويقول إن أحد الأسرى أخبره بأنه سمع أن نيفين أُخذت من منطقة تل الزعتر ونُقلت إلى المستشفى الإندونيسي، ثم نُقلت من هناك إلى مكان آخر. والأهم، بحسب رواية الزوج، أن الأسير قال إنه شاهدها من مسافة تراوحت بين عشرة وخمسة عشر مترًا.
ويشير إلى أن اسم "نيفين طلاب" هو الاسم الذي كانت تُعرف به، بينما تسجل هويتها باسم أبو ناموس.
كما نقل له أسير آخر أنه سمع اسمها في مكان احتجاز داخل القدس المحتلة، بينما تحدثت رواية أخرى عن احتمال وجودها في مستشفى الرملة. ويؤكد الزوج أن هذه المعلومات بقيت في إطار شهادات منقولة، ولم يحصل حتى الآن على إثبات رسمي لمكان وجودها.
لا يريد أن يكتب نهايتها
على مدار أكثر من عام، ظل أبو ناموس يتابع أخبار الأسرى والمعتقلين، ويتواصل مع عائلاتهم وأشخاص أُفرج عنهم، بحثًا عن أي معلومة جديدة.
ويقول: "أنا على تواصل مع عدد كبير من أهالي الأسرى والمعتقلين، وأتابع كل معلومة يمكن أن تقودني إليها. فقد حدث أن أُعلن عن أشخاص أنهم استشهدوا وأقيمت لهم مراسم عزاء، ثم تبين لاحقًا أنهم كانوا أسرى وخرجوا من السجون".
لهذا، لا يستطيع أبو ناموس أن يتعامل مع غياب نيفين باعتباره نهاية مؤكدة، ولا يريد أن يدفنها في ذاكرته ما لم يظهر دليل يثبت استشهادها.
يقول: "هناك أشخاص قيل إنهم استشهدوا وانتهى أمرهم، ثم خرجوا من السجون. لذلك ما زلت آمل أن تكون نيفين هناك، وأن تكون على قيد الحياة".
وبين منزل لم يتمكن من الوصول إليه، ومستشفيات بحث فيها عن أثر، وشهادات أسرى أعادت إليه الأمل، يعيش أبو ناموس على انتظار مفتوح. لا يملك صورة نهائية لما حدث لزوجته، ولا يعرف المكان الذي انتهت إليه خطواتها الأخيرة، لكنه يعرف شيئًا واحدًا: أن الغياب لم ينهِ بحثه عنها.
ففي كل معلومة جديدة، وكل اسم يُذكر أمامه، وكل رواية عن امرأة شوهدت في أحد أماكن الاحتجاز، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: أين نيفين أبو ناموس؟
وحتى تأتي إجابة تقطع الشك باليقين، يبقى زوجها متمسكًا بالأمل، منتظرًا أن تفتح الأيام بابًا ظل مغلقًا منذ صباح ذلك اليوم، وأن تعود نيفين من غيابها الطويل إلى بيتها وأهلها.