☰
✕

قائمة الموقع

رام الله.. آخر جزر الوهم

2026-10-03T09:11:00+03:00
فلسطين أون لاين

لمدة طويلة، صنعت رام الله لنفسها عالمًا يبدو للبعض أنه منفصل عن محيطه، مدينة تعج بالوزارات والسفارات والمطاعم والمقاهي التي تمتد فيها السهرات حتى الفجر، طبقة سياسية وأخرى اقتصادية بنت لنفسها نمط حياة يشبه العواصم الكبرى، رغم أن الدولة نفسها لم تكن سوى حبر على ورق.

وكان "حي الطيرة" عاصمة هذا الوهم المطلق، هناك، حيث تمتد الفلل خلف الأسوار، وتعبر شوارعها الواسعة أحدث المركبات وأكثرها رفاهية، إنها تحف ميكانيكية باذخة، وهناك حيث تباع الأراضي والعقارات بأسعار تنافس باريس ولندن ومانهاتن، كان يمكن أن تجلس تحتسي قهوتك متخبطًا في غيبوبة من الرفاهية، تجعلك تظن أن غزة القريبة جدًا تقع في كوكب آخر، وأن جنين وطولكرم مجرد نشرة أخبار تأتي من عالم بعيد.

عاش بعض سكانها وكأنهم في جزيرة من الرفاهية معزولة داخل جغرافيا محتلة، أو كأن الاحتلال ينتهي عند حدودها، وكأن الحواجز والاقتحامات ومصادرة الأراضي والاستيطان أشياء تحدث في مكان آخر، ولا علاقة لها كثيرًا بالحياة التي تدور خلف أسوار الفلل أو في الأحياء والمقاهي والمطاعم.

لم يكن الأمر مجرد رفاهية مادية، كان هناك وهم سياسي واجتماعي كامل تشكل مع الوقت؛ وزارات، مؤسسات، سيارات رسمية، مواكب، مؤتمرات، فنادق، بعثات دبلوماسية، ومظاهر مدينة تتصرف كما لو أنها عاصمة دولة، كل شيء كان يوحي بأن هناك دولة قائمة بالفعل، وأن ما ينقصها فقط بعض الوقت لكي تكتمل الصورة.

لكن الوهم قلما يستمر أبدًا، وسرعان ما خبا بريق تلك الجياد الحديدية الفارهة، لم تبدأ النهاية بدبابة تجتاح شوارع رام الله، رغم أن ذلك حدث مرارًا وتكرارًا، بل بدأت بما هو أبسط بكثير؛ حاجز طيّار، مكعبات إسمنتية، ثم بوابات ملونة.

حاجز عند "جسر عطارة"، وآخر قرب "عين سينيا"، وآخر عند مدخل البيرة الشمالي، ورابع في الشرق وخامس في الغرب، قلنديا، جبع، عين يبرود، الطيبة، نعلين، بيت سيرا، روابي، الجيب، بيت عور، دير إبزيع، والقائمة تطول، وطوابير سيارات تحاصر مداخل "العاصمة المؤقتة" من كل حدب وصوب، المدينة التي تتصرف كعاصمة ذات سيادة وجدت نفسها عاجزة تمامًا عن فتح شارع واحد إذا قرر مستعمر مغمور إغلاقه.

هنا تبدأ المفارقة الحقيقية، ما قيمة كل تلك المظاهر إذا كان طريقك إلى مكتبك يحتاج إلى إذن غير مكتوب من جندي يقف على حاجز؟ وما معنى أن تكون عاصمة سياسية إذا كان بإمكان حاجز عسكري أن يعيد تعريف حدود حركتك خلال دقائق؟ ثم جاءت الطامة الأكبر لترطم وجوه الجميع بالواقع، الاحتلال لم يعد يكتفي بالوقوف على الأبواب؛ لقد اقتحم غرف المعيشة.

أعلام إسرائيلية ترفع في الشوارع، مستوطنون يتجولون في الحدائق العامة، ومراسلون عسكريون يلتقطون الصور ليلًا لمعالم "حي الطيرة"، وصولًا إلى دوار "نلسون مانديلا"، ويتجولون في أطرافه، وكأن المكان تحول فجأة إلى موقع سياحي مفتوح لمن يملك القوة، لا لمن يعيش فيه.

ويا للمفارقة المريرة، تجد فلسطينيًا يحتسي قهوته ببرود داخل مقهى، وضابطًا بجيش الاحتلال يقف في الشارع المقابل يوثق المكان، أو آخر "مستعربًا" يجلس على الطاولة المجاورة دون أن يدرك، وفجأة يصبح السؤال ليس عن سعر العقار، ولا عن نوع السيارة، ولا عن اسم صاحب المطعم، بل عمن يملك القدرة على الدخول والخروج والتحرك في المكان.

والأدهى من ذلك، حين أوقف عناصر من الشرطة الفلسطينية مستعمرًا مسلحًا تجرأ على دخول أحد أحياء رام الله، وبعد أن أعادته سالمًا من حيث جاء، تحولت الشرطة نفسها إلى متهمة، قبل أن يتم اعتقال بعض أفرادها، ويجري البحث عن آخرين، في مفارقة تختصر حجم هذه "السيادة" المتوهمة، شرطة تلاحق مسلحًا داخل مدينة يفترض أنها تقع ضمن نطاق سلطتها، ثم تجد نفسها مطالبة بتفسير كيف تجرأت على ممارسة هذه السلطة، وهنا يسقط جزء كبير من المسرح.

سنوات من البهرجة والمواكب خلقت شعورًا كاذبًا بأن المال والمكانة الاجتماعية هما درع واقٍ من الجغرافيا، وأن امتلاك منزل فاخر وسيارة فارهة وعلاقات واسعة يمكن أن يصنع مسافة بين صاحبه وبين واقع الاحتلال، لكن الاحتلال لا يقرأ البطاقات البنكية، ولا يسأل عن الرصيد البنكي إلا ليصادره، ولا عن اسم صاحب هذه الفيلا أو تلك، ولا عن صاحب الموكب قبل أن يوقفه، ولا عن مكانته الاجتماعية، ولا يعترف بالمسافة التي صنعها الأثرياء والسياسيون بينهم وبين بقية الجغرافيا الفلسطينية.

حين قرر الاحتلال أن يقترب، لم يحتج إلى اجتياح المدينة برمتها، كان يكفيه حاجز "يذل" الداخلين والخارجين على مداخلها، وعلم يرفرف بوقاحة، ومستعمر يتجول بحرية مطلقة داخل الأحياء ذات "السيادية"، وهنا أيضًا تكمن المفارقة الأشد قسوة؛ كلما زادت مظاهر الحياة الطبيعية في رام الله، بدا الاحتلال وكأنه أكثر غيابًا، لكن غيابه كان بصريًا فقط، لا سياسيًا ولا عسكريًا، كان موجودًا في الطرق التي يمكن أن يغلقها، وفي الأرض التي يستطيع مصادرتها، وفي السماء التي يسيطر عليها، وفي قدرة جنوده على الوصول إلى أي مكان تقريبًا عندما يقرر ذلك، وحتى دخول غرف العمليات في المستشفيات والبنوك والمؤسسات.

رام الله لم تكن المشكلة، بالطبع، المشكلة كانت في الوهم الذي جعلها تبدو كأنها استثناء، وكأن البعض يمكن أن يعيش خارج شروط الجغرافيا التي تحكم بقية الفلسطينيين، عندها فقط استيقظت رام الله ومعها الطيرة من غفوتها، لتكتشف أن كل ما راكمته من مظاهر السيادة لم يكن سوى مهلة مؤجلة، وأنها لم تكن بعيدة عن البحر، ولم تكن يومًا جزيرة مستقلة، بل كانت ببساطة آخر من اكتشف أن موج البحر كان يرتفع دائمًا، وأنه لم يكن بحاجة إلى اجتياح الجزيرة كلها، فقد كان يكفي أن يصل إلى الشاطئ.

اخبار ذات صلة