في خيمتهم التي لم تتسع يومًا لأحلامهم الكبيرة، اتسعت فجأة لفاجعة أكبر من قدرتهم على الاحتمال. رحل الشرطي تامر محمود الحمايدة، تاركًا خلفه زوجةً وتسعة أبناء؛ سبع بنات تتراوح أعمارهن بين عامين و17 عامًا، وطفلين، أحدهما لم يتجاوز الرابعة، بعدما قتله صاروخ إسرائيلي في مواصي خانيونس أول من أمس، بينما كان يؤدي عمله في حفظ النظام وتنظيم حركة المرور.
كان تامر، وفق إفادة عائلته، رجل شرطة مدنيًا يؤدي واجبه في الميدان، في وقت كانت فيه العائلة تعتقد أن الحديث عن وقف إطلاق النار يعني أن رجلًا يخرج إلى عمله سيعود إلى خيمته سالمًا، لا أن يعود إليها محمولًا على الأكتاف.
لكن تامر عاد جثمانًا، لتتحول لحظة الوداع إلى مشهد تختلط فيه صرخات الفقد بأسئلة لا تجد إجابة، فيما وجدت أسرته نفسها أمام غياب مفاجئ لا تعرف كيف تواجهه.
“أين وقف إطلاق النار؟”
يستحضر عمه محمد حسن الحمايدة تفاصيل اللحظات الأخيرة بحسرة وغضب، مؤكدًا لصحيفة "فلسطين" أن تامر كان يؤدي عمله كشرطي مدني في حفظ النظام وتطبيق القانون.
ويقول: “الشهيد هو رجل لحفظ النظام، الشرطي تامر محمد حسن الحمايدة، كان يؤدي واجبه لتطبيق القانون وحفظ النظام بناءً على إعلان وقف إطلاق النار”.
ثم يتساءل بحرقة: “أين وقف إطلاق النار؟ وأنتم تقصفون رجل شرطي مدني (...) رجل يحفظ أمن المواطنين، تقصفونه لماذا؟”.
ويرى الحمايدة أن استهداف تامر يضيف فاجعة جديدة إلى معاناة المدنيين الفلسطينيين، متسائلًا عن جدوى الحديث عن وقف إطلاق النار في ظل استمرار سقوط الضحايا.
“كسر ظهري وطفا حياتي”
لم يكن وقع الرحيل على زوجة تامر مجرد فقدان شريك حياة، بل سقوطًا مفاجئًا للسند الذي كانت تستند إليه في مواجهة ظروف النزوح والحرب وتربية أبنائهما.
أمام جثمانه، خرجت الكلمات من بين دموعها متقطعة، وهي تحاول وصف حجم الانكسار الذي تركه غيابه.
تقول: “والله صعبة، أنا وسبع بنات وهذول الأطفال، والله صعبة، والله كسر ظهري، وكسر حياتي، وطفا حياتي كلها، والله كسرني، والله انكسرت”.
ثم لم تجد سوى الدعاء لزوجها، قائلة: “الله يتقبله، الله يرحمه… الله يجعله بمنازل العليين يا رب مع الشهداء والصديقين والنبيين”.
وتابعت وهي تخاطبه أمام جثمانه: “الله يرحمك يا تامر، يا نور عيني يا تامر، والله رحت وأخذت روحي… والله رحت وأخذت قلبي معاك، لمين سبتني يا حبيبي هيك لحالي”.
أسبوع واحد على زفاف ابنته
كان رحيل تامر أكثر قسوة على ابنته براءة، التي كان يفصلها أسبوع واحد فقط عن موعد زفافها.
بدل أن يكون والدها إلى جانبها في الأيام الأخيرة قبل فرحها، يشاركها تفاصيل الاستعداد ويقف إلى جوارها في يوم طالما انتظرته، وجدت نفسها تودعه وتبكيه أمام جثمانه.
وفي مشهد الوداع، استعاد أفراد العائلة تفاصيل حنانه معها، فقالت والدتها: “والله كل ما يطلع يقول لي: شو بدها براءة أجيب لها؟ كل حاجة، كل حاجة نفسها فيها”.
وردت براءة بحرقة: “حرمونا منه والله.. حرمونا منه الحنون.. والله نبكي عليه دهر.. الحنون.. والله ما في منه”.
كانت كلماتها تختصر مأساة فتاة كان يفترض أن تستعد لفرحها، فإذا بها تستعد لدفن أبيها.
وتقول العائلة إن تامر كان مصدر أمان وحنان لأبنائه، وإن غيابه لا يعني فقدان الأب فقط، بل فقدان السند الذي كانت الأسرة تتكئ عليه وسط ظروف النزوح والحرب.
“صدق مع الله فصدقه الله”
ويستحضر قريبه عطا الله أبو حميدة جانبًا آخر من حياة تامر، متحدثًا عن التزامه الديني وعلاقته بالمسجد منذ سنوات طفولته.
يقول أبو حميدة: “هذا الرجل المسجى بدمائه الطاهرة هذه الليلة صدق مع الله عز وجل، لقد استشهد في ثغره وفي رباطه وفي رأس عمله، ولقي الله قائمًا بواجبه على أكمل وجه”.
ويتذكره منذ صغره محافظًا على صلاة الفجر في مسجد الفاروق، قائلًا: “والله ما عهدته إلا من صغره محافظًا على صلاة الفجر في مسجد الفاروق، وهو من رواده بل من خيرة شبابه، كان ملتزمًا في صلاة الفجر ومترددًا في كل الصلوات حتى لقي الله عز وجل”.
وبينما كان أقاربه يودعونه بالدعاء، كانت أسرته تواجه حقيقة جديدة وثقيلة: أب غاب، وأطفال فقدوا سندهم، وابنة كان يفصلها أسبوع عن زفافها فقدت والدها في أكثر اللحظات التي كانت تحتاج فيها إلى وجوده.
“سِبتنا لمين؟”
عند جثمان تامر، لم تكن الكلمات مجرد رثاء، بل صرخة عائلة وجدت نفسها فجأة أمام مستقبل مختلف.
قالت إحدى بناته وهي تبكي: “سِبتنا لمين يا عمري؟ سِبتنا لمين؟”، فيما وصفته أخرى بأنه “الحاجة الوحيدة الحلوة في حياتنا” و”الحنون”.
رحل تامر وهو يؤدي عمله، تاركًا زوجةً وسبع بنات وطفلين أمام قسوة الغياب، فيما تحولت فرحة ابنته براءة، التي كان يفصلها أسبوع واحد عن زفافها، إلى مأتم.
وفي خيمة الأسرة، بقيت صوره وملابسه وذكراه، وبقي السؤال الذي يختصر الفاجعة: كيف تواجه هذه العائلة حياةً غاب عنها الأب فجأة، وهو يؤدي واجبه؟.