بقي جرح العائلات مفتوحًا لنحو ثلاث سنوات دون أن يتمكن ذوو الشهداء من إلقاء نظرة الوداع أو فتح بيت عزاء لهم، وهم يتجرعون مرارة الانتظار ويمرون أمام عمارات سكنية أطبقت على من فيها عندما قصفها جيش الاحتلال يوم 25 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 مرتكبا واحدة من أبشع مجازر الإبادة التي أوقعت مئات الشهداء بعد استهداف برج "التاج" الواقع بشارع الجلاء قرب مفرق "الغفري" وعدة عمارات سكنية مجاورة له.
لثلاث سنوات ظل المربع السكني المستهدف بشوارعه مغلقًا دون أن تتمكن العائلات من الوصول لرفات أبنائها بعدما أسكت الاحتلال فيه صوت الحياة، وبعد انتظار طويل ومرهق كان ثقيلا على قلوبهم، وقبل أسابيع بدأت أعمال رفع أنقاض المباني المدمرة بحثا عن جثامين الشهداء، إذ استطاعت طواقم الدفاع المدني انتشال 105 جثامين شيعوا أمس في جنازة جماعية من مكان المجزرة إلى مقبرة الشيخ رضوان، ليغلق ذوو الشهداء جرحهم، وتتكشف قصص دامية للجريمة.
تراصت جثامين الشهداء الذين كفنوا بأعلام فلسطين، وعلقت صور الشهداء فوق الأكفان التي لم يعد هناك تشابه بين ما بداخلها من رفات وبين صور ضحكات الأطفال في الصور. على تلة ترابية بجانب الجثامين علقت عائلة سالم صور أبنائها على شكل شواهد مغروسة بالرمال وخلف الصور المتفرقة صور أكبر تجمع جميع شهداء العائلة. بين الشهداء صورة الطفل الشهيد مصطفى معتصم سالم وسماح سعيد سالم ومعتصم فؤاد سالم ومنتصر سعيد سالم وسوزان عادل سالم وسعيد موسى سالم ونجله موسى سعيد سالم وحفيدته جنى موسى سالم.
وعلى الجهة المقابلة لمراسم الجنازة، علقت عائلة شرف صور وأسماء 37 شهيدًا انتشلوا بينهم الشهيد عمر خليل شرف وخالد خليل شرف وبشير خليل شرف وإسماعيل عمر شرف وعبد الرحيم عمر شرف وصلاح عمر شرف وعبد الله خالد شرف وكريم خالد شرف، والأطفال: جودي خالد شرف، وحمزة صلاح شرف، وعمر إسماعيل شرف، ومحمد عبد الرحيم شرف، وليان ونهى وجوان عبد الرحيم شرف، ونور وملك وياسمين ومالك يوسف شرف، والشقيقات دعاء وإسراء ووسام بشير شرف.
وبحضور ذوي الشهداء وطواقم الدفاع المدني ووجهات عشائر وشخصيات اعتبارية وحشد كبير من المواطنين أجريت مراسم التشييع.
بين الجثامين تجد جثمان الصحافية دعاء شرف ودرع الصحافة الذي كان شاهدا على دورها في توثيق المجازر، وبجوارها طفلها "عبيدة" لا يزيد عمره عن عام ونصف.
انتظار طويل
لحظة قصف مربع التاج وارتكاب المجزرة، كانت دعاء تعطي طفلها عبوة الحليب وتضعه في "كوتة أطفال"، وبعد ثلاث سنوات من المجزرة بقيت الرضاعة التي كان يضعها الطفل في فمه، وبقيت ملابسه وبقيت كوتة الأطفال لكن لم يبقَ من الطفل وأمه سوى العظام، في حين كان والده في تلك اللحظة يوم 25 أكتوبر، تشرين الأول 2023 يبحث بين الصيدليات عن الحليب ليعود على وقع القصف الذي غطى دخانه سماء منطقة واسعة من مدينة غزة، ليجد العمارة ومربع العمارات المحيطة بها قد تحولت إلى كومة من الركام.
يقول الصحفي محمود هنية وهو والد الطفل عبيدة بينما كان يستقبل المعزين بجانب جثامين الشهداء: "كنا أمام بيت عزاء الأطول في التاريخ إذ انتظرنا ثلاث سنوات حتى نلقي نظرة الوداع. لم يندمل الجرح ولم يكن هناك قبر حتى نزوره. اليوم ربما ارتاحت قلوبنا بمواراتهم في الثرى لكن هناك 10 آلاف شهيد تحت الأنقاض تنتظر عوائلهم نفس هذه اللحظة التي نعيشها، ونقول للعالم: إن الحرب لم تتوقف".
على مدار 19 يومًا من عملية رفع الأنقاض التي شاركت فيها طواقم الدفاع المدني بالتعاون مع اللجنة المصرية التي جلبت الآليات، كان هنية يظل في الصباح حتى المساء في مكان المجزرة حيث بحثت الطواقم عن الرفاة بين 17 مبنى أطبقت على من فيها.
وأضاف هنية لصحيفة "فلسطين": "كنا في كل لحظة ننتظر أن نسمع كلمة "وقف" هذه جملة كانت علامة على العثور على شهيد، حيث كانت أرواحنا ترد إلينا مع تلك الكلمة".
في اليوم الثالث عشر من البحث وصلت الطواقم إلى المكان الذي تواجد فيه طفله عبيدة ووالدته دعاء وعائلة "شرف" وهي عائلة زوجته، لحظة رفع طبق السقف وجد الطفل وهو يمسك رضاعته ويجلس في "كوتة" وكانت أمه تهزه للنوم، في حين تراصت جثامين شقيقاتها وعائلتها بقربها، يصف هنية تلك اللحظة: "كأن الوجع عاد إلي من جديد. كانت لحظة قاسية أن أجد طفلي هكذا، فبأي ذنب قتلوه؟".
يقدر هنية الذي وصل إلى المكان في اللحظات الأولى للمجزرة، أن جيش الاحتلال قتل نحو 450 مواطنا جلهم من الأطفال والنساء، انتشل نحو 150 شهيدا لحظة المجزرة، وهناك عشرات الجثامين تبخرت، وفي عملية البحث الأخيرة جرى انتشال 105 شهداء.
وتابع بقلب مثقل بالوجع: "نريد أن نسأل العالم ما الذي فعله الأطفال لتطبق عليهم كل هذه العمارات في ثوانٍ، ونقول للعالم إن صمتم على الجريمة فلا تصمتوا على ملاحقة القاتل. نحن أمام أبشع مجزرة خلال الحرب".
عائلة شرف
على أحد المداخل المؤدية إلى المكان، كان يوسف شرف يقف بجانب عائلات الشهداء، مستقبلاً المعزين، فقد شرف زوجته وأطفاله الأربعة في المجزرة الدامية وأفراد عائلته الذين استخرج رفاتهم، البالغ عددهم 37 شهيدًا بينهم 20 طفلا و10 نساء.
يقول شرف لصحيفة "فلسطين" وفي ملامحه حزن كبير: "بعد ثلاث سنوات عدنا لانتشال رفات الشهداء، كانت الغصة كبيرة طوال الأعوام الثلاثة، ففي كل مرة كنا نمر من جانب البرج نتذكر أطفالنا وأهلنا الموجودين تحت الأنقاض، والحمد لله استُخرجوا لتشييعهم لمقبرة الشيخ رضوان. فقدت زوجتي وأطفالي الأربعة وأمي وأبي وإخواني وعائلاتهم وأخواتي وعائلاتهن وأعمامي وعائلاتهم".
وعلى الرغم من حالة التحلل التي بدت عليها الجثامين، استطاع شرف التعرف على أفراد العائلة من اللباس وبعض العلامات، ويستذكر لحظة القصف الدامية وتقفز مشاهد من المجزرة أمامه: "كنت أغطي الأحداث حينها لكوني أعمل صحفيا، كانت لحظات صعبة أن تفقد كل عائلتك، لكن الإيمان هو ما يصبر الإنسان".
أما الحاج طلب شرف الذي جاء يتكئ على عكازيه ليعزي أقاربه هو زوجته، لحظة المجزرة كان نازحا في مدرسة صلاح الدين التي تبعد مئات الأمتار عن مكان المجزرة، يصف تلك اللحظات قائلا: "عندما حدث القصف الجنوني قلت إن القيامة قد قامت من شدة ما ألقي من صواريخ وقنابل على المنطقة، وفي لحظة أبادوا مربعا سكنيا كاملاً، وبه عائلات مسحت من السجل المدني بينهم ابن عمي وزوجته وأبناؤه ونجله وأبناؤه والكثير من أفراد العائلة".
وأضاف شرف لصحيفة "فلسطين": "فقدت ابني أحمد (42 سنة) الذي استشهد في المجزرة لكن استطعنا إخراجه حينها لأنه كان في الطوابق العلوية للمبنى، وكذلك ابن شقيقي وطفلتاه".