☰
✕

قائمة الموقع

أحمد شملخ.. كفيفٌ يقاوم النزوح بحثًا عن الخبز والماء والعمل

2026-10-02T10:04:00+03:00
أحمد شملخ
فلسطين أون لاين

في الحرب، لا يتساوى الجميع أمام الخطر؛ فبالنسبة للأشخاص ذوي الإعاقة، لا يعني النزوح مجرد مغادرة منزل، ولا تعني طوابير الخبز مجرد انتظار، ولا يكون الانتقال من مكان إلى آخر قرارًا يمكن تنفيذه بسهولة، كل خطوة تحتاج إلى من يقودها، وكل مكان جديد يعني طريقًا مجهولًا، وكل فقدان للاستقرار يضاعف الاعتماد على الآخرين.

وسط حرب الإبادة الإسرائيلية التي زجت المواطنين في قطاع غزة في معاناة النزوح والتشرد، وجد أحمد شملخ، وهو كفيف، نفسه يخوض معركة يومية تتجاوز محاولة النجاة من القصف؛ معركة لتأمين الطعام والماء والمأوى لأسرته، وحماية أطفاله، والبحث عن مصدر دخل يجنّبه الوقوف طويلًا على أبواب المساعدات.

ومن مكان نزوح إلى آخر، حمل أحمد معه إعاقته ومسؤولية أسرته، في حين كانت الحرب تنتزع من حوله مقومات الحياة واحدة تلو الأخرى، لم يعد لديه عمل ثابت يستند إليه، ولا مكان مستقر يحمي أطفاله، وحتى الحصول على ربطة خبز أو المياه تحول إلى مهمة شاقة لرجل لا يرى الطريق ولا يستطيع مواجهة الزحام بمفرده.

ومع ذلك، لا يختصر أحمد حكايته في طلب المساعدة؛ فهو يريد أن يُرى أولًا كإنسان قادر على العمل، له حق في الحياة الكريمة، لا كشخص ذي إعاقة ينتظر ما يتبقى من الآخرين.

الإعاقة في مواجهة النزوح

يصف أحمد لصحيفة "فلسطين"، الحياة خلال الحرب بأنها أصبحت أكثر قسوة على الأشخاص ذوي الإعاقة، الذين وجدوا أنفسهم أمام احتياجات تفوق قدرتهم على الاحتمال، في ظل تراجع الخدمات وفرص العمل وتكرار النزوح.

ويشير إلى أن الأسر التي تنزح عادةً تحاول حمل ما تستطيع من أمتعة، في حين يواجه الأشخاص ذوو الإعاقة قيودًا إضافية تجعل عملية الانتقال أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما يكونون مسؤولين عن أطفال.

ويقول: "عندما يخرج الناس من أماكنهم يحملون بعض حاجياتهم، أما نحن فنحتاج إلى من يساعدنا في الحركة ويحمل معنا الأطفال والأغراض، لم يكن لدينا وقت للاستقرار؛ كنا ننتقل ثم نبدأ من جديد في البحث عن الماء والطعام والمأوى".

ولم تتوقف آثار النزوح عند فقدان المسكن، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، التي أصبحت بالنسبة إلى أحمد وأسرته سلسلة من المشقة المتواصلة.

من بين أكثر المشاهد التي تكشف حجم المعاناة بالنسبة إلى أحمد رحلة الحصول على الخبز، فالخروج إلى أماكن التوزيع أو البيع وسط أعداد كبيرة من الناس يمثل تحديًا لشخص كفيف، يحتاج إلى مساعدة مستمرة في الحركة وتجنب العوائق.

ويقول:" نخرج في الصباح بحثًا عن الخبز، فنجد أنفسنا وسط ازدحام شديد، كثيرون لا ينتبهون إلى أن الشخص الذي أمامهم لا يرى، ولذلك تصبح الحركة بين الناس صعبة ومؤلمة، وقد نعود أحيانًا من دون أن نحصل على ما خرجنا من أجله."

أما المياه، فأصبحت أزمة أخرى تثقل كاهل الأسرة، ولا سيما مع تكرار الانتقال من مكان إلى آخر، ويقول: "المياه كانت من أكثر الأمور التي أنهكتنا، الحصول عليها يحتاج إلى حركة وجهد ومساعدة، ونحن أصلًا نعيش في ظروف لا تسمح لنا بالاعتماد على أنفسنا كما ينبغي."

أطفال يدفعون ثمن الحرب

وسط هذه الظروف، لم تكن معاناة أحمد مقتصرة عليه، إذ انعكست آثارها مباشرة على أطفاله، الذين وجدوا أنفسهم محرومين من كثير من احتياجاتهم الأساسية، ويقول:" طفلاي الاثنان دفعا ثمن هذه الظروف معنا، احتاجا إلى الحليب والطعام، وإلى مسكن مناسب يحميهما، وإلى حياة مستقرة يشعران فيها بالأمان، لكن الحرب والنزوح حرماهما كثيرا من هذه الأمور."

ويشير إلى أن أصعب ما يواجهه الأب هو أن يرى أبناءه بحاجة إلى أشياء أساسية ولا يستطيع توفيرها لهم.

وتضاعفت صعوبة الوضع داخل الأسرة بسبب معاناة زوجته الثانية أيضًا من الإعاقة، الأمر الذي جعلها تشاركه جزءًا كبيرًا من الأعباء اليومية، موضحاً أن زوجته تعاني من الإعاقة البصرية وأن ما يرهقه يرهقها وأنهما بحاجة إلى ظروف أكثر ملاءمة حتى يستطيعوا إدارة حياتهم، لكن الحرب جعلت كل مهمة يومية أكثر صعوبة."

العمل ثم العمل

قبل الحرب، كانت البطالة واحدة من أبرز المشكلات التي يواجهها أحمد، لكنه يرى أن ظروف الأشخاص ذوي الإعاقة لا تتحسن بمجرد منحهم مساعدات مؤقتة، وإنما عبر توفير فرص عمل حقيقية تتناسب مع قدراتهم.

ويرفض أحمد أن تُفهم مطالب الأشخاص ذوي الإعاقة على أنها رغبة في الحصول على امتيازات خاصة، موضحًا أن ما يبحثون عنه هو فرصة متساوية للمشاركة والإنتاج.

ويقول: "الإعاقة لا تلغي قدرة الإنسان على العطاء إذا أُتيحت لنا الأعمال التي نستطيع القيام بها، فإننا قادرون على تحمل مسؤولياتنا. المطلوب هو إزالة العوائق أمامنا، لا إبعادنا عن سوق العمل."

وبينما يواصل أحمد حياته في ظروف النزوح، تبقى أمنية بسيطة بالنسبة إليه: أن يجد مكانًا مستقرًا، وأن يتمكن من تأمين احتياجات أطفاله، وأن يحصل على فرصة عمل تعيد إليه بعض استقلاله الذي أثقلت الحرب كاهله.

ويختتم حديثه بالقول: "نريد أن نعيش مثل بقية الناس، وأن يكون لنا عمل وأهداف ومستقبل، لا نطلب أن يُنظر إلينا بعين الشفقة، وإنما بعين الإنصاف، نحن أشخاص قادرون على العمل، ونريد فرصة تثبت ذلك."

اخبار ذات صلة