☰
✕

قائمة الموقع

"متى ستقفين وتمشين معي؟".. نائلة تحلم بالعودة إلى طفلتها

2026-10-01T11:32:00+03:00
"متى ستقفين وتمشين معي؟".. نائلة تحلم بالعودة إلى طفلتها
فلسطين أون لاين

في كل صباح تستيقظ نائلة مريش (23 عامًا) على واقع لم تكن تتخيل يومًا أنه سيكون جزءًا من حياتها، لا على صوت ابنتها ذات السنوات الخمس فحسب، بل على ألمٍ يرافقها منذ أن سلبتها حرب الإبادة القدرة على الحركة، وحوّلت أبسط تفاصيل يومها إلى معركة شاقة، فالشابة التي كانت تدير منزلها وترعى أسرتها، أصبحت اليوم رهينة كرسي متحرك داخل خيمة نزوح في منطقة الرمال بمدينة غزة، تنتظر علاجًا قد يعيد إليها شيئًا من حياتها التي تبدلت في لحظات.

تنحدر نائلة من حي الشجاعية شرق مدينة غزة، لكنها، كآلاف العائلات، أجبرت على النزوح تحت القصف، إلا أن النزوح لم يكن ملاذًا آمنًا، بل كان بداية سلسلة من المآسي التي طاردتها مرتين.

كانت الإصابة الأولى في 28 أغسطس/آب 2024، عندما كانت نازحة في مدينة دير البلح، إذ تعرضت المنطقة التي احتمت بها إلى قصف عُرف بمجزرة المنفلوطي، أصيبت آنذاك بشظايا وكسور في اليدين والقدمين، وأمضت ستة أشهر بين المستشفيات وجلسات العلاج حتى استعادت جزءًا من قدرتها على الحركة، في حين دفعت ثمنًا آخر بفقدان اثنين من أشقائها.

تقول نائلة لصحيفة "فلسطين": "ظننت أن أصعب ما يمكن أن أعيشه هو الإصابة الأولى وفقدان إخوتي، وبعد أشهر من العلاج بدأت أستعيد أملي بأن أعود إلى حياتي الطبيعية، لكن الحرب كانت تخبئ لي وجعًا أكبر".

لم يمهلها الزمن طويلًا، ففي 8 يوليو/تموز 2025، وبينما كانت تعيش مع أسرتها داخل خيمة نزوح في منطقة الرمال، استهدفت طائرة حربية إسرائيلية دون طيار خيمة مجاورة بصاروخين، لتتحول مرة أخرى من ناجية إلى مصابة، ومن ابنة تستند إلى والدتها إلى ابنة تودعها للأبد.

في ذلك الهجوم، فقدت نائلة والدتها، في حين أصيبت هي بشظيتين غيّرتا مسار حياتها بالكامل؛ الأولى استقرت في الرئة وتسببت بنزيف داخلي، أما الثانية فأصابت العمود الفقري، متسببة بكسر فقرتين وفقدانها الإحساس والحركة في الجزء السفلي من جسدها.

شعور بالعجز

وتروي بصوت يختلط فيه الألم بالصبر: "عندما فتحت عيني في المستشفى حاولت أن أحرك قدميّ، لكنهما لم تستجيبا، سألت الأطباء مرارًا: هل سأمشي مجددًا؟ ولم يكن لديهم جواب يطمئنني، في حين كنت أحاول أن أستوعب خبر استشهاد أمي".

منذ ذلك اليوم، تبدلت حياة نائلة بالكامل، الأم الشابة التي كانت ترعى طفلتها وتدير شؤون منزلها، أصبحت بحاجة إلى من يساعدها في أبسط احتياجاتها اليومية، بعدما أفقدها الشلل النصفي القدرة على الحركة والتحكم بالبول والبراز، لتخوض معركة يومية من أجل الحفاظ على كرامتها مع نقص حاد في المستلزمات الطبية الأساسية، وعلى رأسها الحفاضات الطبية.

وتتابع حديثها: "أكثر ما يؤلمني ليس الشلل وحده، بل شعوري بالعجز، كنت أخدم أسرتي وأعتني بابنتي، واليوم أصبحت بحاجة لمن يساعدني في كل شيء، هذا الشعور أصعب من الألم نفسه".

ولا تتوقف معاناتها عند حدود الإصابة، فالحياة داخل خيمة النزوح تضاعف من آلامها، فالحرارة المرتفعة والرطوبة وسوء الظروف الصحية تسببت بظهور تقرحات جلدية مؤلمة، تزداد سوءًا مع كل يوم، كما أنها استيقظت قبل أيام قليلة وقدمها تنزف دمًا بعد أن هاجمها أحد القوارض لكونها لا تشعر بقدمها، في حين يهدد تأخر العلاج حالتها الصحية ويتسبب بتيبس في قدميها ويقلل من فرص تعافيها.

وتوضح أن كل يوم يمر تشعر أن الوقت يسابقها، "الأطباء أخبروني أنني بحاجة إلى صورة رنين مغناطيسي (MRI)، لكنها غير متوفرة في غزة، كما أن لدي تحويلة طبية للعلاج في الخارج لم تُفعّل حتى الآن (بسبب القيود الإسرائيلية)، فأخشى أن أفقد ما تبقى من فرصة للعلاج".

ورغم الألم، ما زال أكثر ما يشغل بالها هو طفلتها الصغيرة، التي لم تعد تستطيع احتضانها أو ملاحقتها كما كانت تفعل قبل الإصابة.

وتكمل وهي تحاول حبس دموعها: "ابنتي تسألني دائمًا: متى ستقفين وتمشين معي؟ لا أعرف كيف أجيبها. كل ما أتمناه أن أستطيع الوقوف مرة أخرى لأضمها وأعتني بها كما كانت تستحق".

لا تطلب نائلة، وآلاف المرضى والجرحى مثلها، المستحيل، ولا تبحث عن حياة مترفة، بل عن حقها الطبيعي في العلاج، وفرصة حقيقية لاستكمال رحلتها الطبية قبل أن تصبح إصابتها واقعًا دائمًا لا رجعة فيه، في حين يواصل الاحتلال حرمانها من هذا الحق.

اخبار ذات صلة