☰
✕

قائمة الموقع

مصطفى الدهشان.. سنوات من إنقاذ الضحايا تنتهي به تحت الأنقاض

2026-10-01T08:59:00+03:00
الشهيد مصطفى فؤاد الدهشان
فلسطين أون لاين

لم يكن مصطفى الدهشان، يرى في عمله في جهاز الدفاع المدني مجرد وظيفة يؤديها وينصرف منها، بل كان يعده مسؤولية ومهمة إنسانية لا تتوقف عند ساعات الدوام.

قضى مصطفى، سنوات طويلة في خدمة المواطنين متنقلًا بين مواقع الحرائق لإنقاذ المواطنين قبل أن يحال إلى التقاعد قبل عام تقريبًا من اندلاع حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

ومع ذلك بقي مصطفى في الميدان، وبعد التقاعد ظل على تواصل مع رفاقه في الدفاع المدني يزودهم بالمعلومات عن أماكن القصف القريبة منه، ويبلغ غرف العمليات بحجم الأضرار وأعداد الموجودين في المواقع المستهدفة، محاولاً بذلك إنقاذ المدنيين.

وقال نجله محمد الدهشان: "إن والده كان يتحدث عن عمله بفخر كبير، وكان يعتز بطبيعة العمل الجماعي التي تميز طواقم الدفاع المدني"، مشيرًا إلى أنه لم يتغيب عن عمله ولم يتخلَّ عن مسؤولياته طيلة حياته.

ميدان الإنقاذ

وبدأ مصطفى، عمله في جهاز الدفاع المدني، والقول لنجله، في قسم استقبال الإشارات، إذ كان يتلقى البلاغات ويعد التقارير اليومية المتعلقة بالحوادث والمهام التي تنفذها الفرق الميدانية، وكان يتابع تفاصيل العمل الميداني بشغف، ويحدث أسرته بما يواجهه رجال الدفاع المدني خلال الحرائق والإنقاذ وانتشال الشهداء والجرحى، خصوصًا مع شح الآليات والمعدات التي كانت تعيق عملهم وتزيد من المخاطر التي يتعرضون لها.

ويقول محمد لصحيفة "فلسطين": "كان والدي يتحدث دائمًا عن خطورة عمل طواقم الدفاع المدني وعن شجاعتهم وهم يتوجهون إلى مواقع الخطر لإنقاذ الناس رغم قلة الإمكانات والآليات التي تساعدهم على الوصول إلى الضحايا".

ولم يكن مصطفى يكتفي بالحديث عن زملائه، بل كان يتمنى أن يكون بينهم في الميدان حتى عندما كان تقدمه في السن يجعل مشاركته أكثر صعوبة، والقول لنجله الذي أشار إلى أن والده كان يصر أحيانًا على النزول إلى مواقع الأحداث، لكن المسؤولين كانوا يرفضون طلبه حفاظًا عليه خاصة بعدما تقدمه في العمر.


 

رجل إصلاح

ولم تقتصر شخصية مصطفى الدهشان، على الجانب المهني، فقد كان حريصًا على أن تبقى علاقاته بزملائه قائمة على الاحترام والتعاون، وكان، وفق نجله، يتدخل سريعًا إذا رأى خلافًا بين اثنين منهم ويسعى إلى إصلاح ما بينهما.

ويضيف أن "والده كان شديد التواضع، وكان يقول لزملائه: أنا أصغر فرد في جهاز الدفاع المدني، رغم سنوات خدمته وخبرته الطويلة، كما كانت علاقته بقيادة الجهاز وزملائه قائمة على التقدير والاحترام، حتى أن المدير العام الجهاز كان يناديه بـ(أستاذي أبو فؤاد) تقديرًا له ولمكانته".

ولفت محمد إلى أن والده كان مدرسًا لتلاوة القرآن الكريم والتجويد، ويحرص على تعليم من حوله وهو ما جعل علاقته بزملائه تتجاوز إطار العمل إلى علاقة إنسانية قائمة على التعليم والنصيحة والمودة.

وأكمل محمد حديثه "حينما بدأت الحرب، عاد والدي إلى دوره في جهاز الدفاع المدني رغم تقاعده، وظل يتواصل مع الطواقم ويقدم لهم المعلومات التي يحتاجون إليها خصوصًا بشأن الاستهدافات الإسرائيلية القريبة منه، وكان يبلغ غرف العمليات عن طبيعة الأضرار وحجم الدمار وعدد الأشخاص الموجودين في المواقع المستهدفة لخبرته الطويلة ومعرفته بطبيعة عمل الجهاز واحتياجاته الميدانية".

وتابع محمد: "إن الأقارب والجيران كانوا يلجؤون إلى والدي، عندما يحتاجون إلى المساعدة وكان لا يتردد في تلبية النداء"، مؤكدًا أن خدمة الناس بقيت حاضرة في حياته حتى بعد انتهاء سنوات عمله الرسمية.

مجزرة إسرائيلية

وأكمل الدهشان حديثه وقد بدا حزينًا: "فجر الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، أصبح والدي بحاجة إلى من ينقذه؛ قرابة الساعة الرابعة فجرًا استهدفت طائرات الاحتلال الحربية منزل العائلة مباشرة، ما أدى إلى استشهاد نحو 35 شخصًا من أفراد الأسرة والعائلة، بينهم والدي ووالدتي وأخي واختي، وآخرين من أبناء العائلة".

وذكر أن عدد من الموجودين في المبني المستهدف من أفراد العائلة منهم من ارتقى على الفور، ومنهم من أصيب بجروح بالغة بينها حالات بتر في الأطراف قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من انتشالهم من تحت الأنقاض.

ويؤكد محمد أن أصعب لحظة عاشها "كانت داخل غرفة العمليات، عندما جاءه أحد أقاربه ليخبره بأسماء من استشهدوا ومن نجوا، وكان من بينهم والده.

وبعد نحو ثلاثة أعوام على استشهاده، لا يزال رفات مصطفى الدهشان تحت الأنقاض في مكان يصعب انتشاله بسبب عدم توفر الآليات والمعدات الثقيلة اللازمة، ما أبقى العائلة في انتظار طويل قبل دفنه بطريقة لائقة.

وبينما يستحضر محمد سيرة والده وما قدمه خلال سنوات خدمته، يأمل أن يتمكن زملاؤه في الدفاع المدني من الوصول إلى رفاته وانتشاله ودفنه وفاءً لرجل أمضى سنوات من حياته في خدمة المواطنين ومساعدة المحتاجين قبل أن يصبح هو نفسه عالقًا تحت الأنقاض وبحاجة إلى من ينتشل رفاته.

اخبار ذات صلة