فلسطين أون لاين

تجميد الحسابات يهدد الثقة المصرفية في غزة ومطالب بمعايير واضحة لحماية العملاء

...
مبنى بنك فلسطين في غزة (أرشيف)
غزة/ رامي رمانة:

تثير عمليات تجميد مزيد من الحسابات المصرفية في قطاع غزة مخاوف اقتصادية متزايدة، مع استمرار أزمة السيولة والظروف الصعبة التي يعيشها المواطنون، وسط تحذيرات من تأثيرها في الشمول المالي وثقة الجمهور بالقطاع المصرفي.

ويطالب اختصاصيون بتحقيق التوازن بين متطلبات الرقابة والامتثال وحماية حقوق العملاء، من خلال معايير واضحة وإجراءات تدريجية تتيح للمواطنين مراجعة أوضاعهم قبل تجميد حساباتهم، تفادياً لدفعهم نحو النقد والسوق غير الرسمي.

يأتي ذلك مع وجود مخاوف من إغلاق سلطة النقد آلاف الحسابات البنكية والمحافظ المالية بإيعاز إسرائيلي، وما يترتب عليها من آثار مباشرة على الأفراد والتجار وأصحاب الأعمال.

يقول الاختصاصي الاقتصادي محمود القشاش إن ملف تجميد وإغلاق الحسابات المصرفية يمثل قضية اقتصادية حساسة تمس السيولة والشمول المالي وثقة المواطنين، إلى جانب قدرة الأسر والتجار على الوصول إلى أموالهم، مشيراً إلى أن النقاش بشأن هذا الملف يأتي في توقيت بالغ الحساسية.

ويوضح القشاش لصحيفة "فلسطين" أن سلطة النقد أعلنت أن نسبة الشمول المالي في فلسطين وصلت إلى 73% منتصف عام 2026، مع نحو 1.8 مليون عميل مصرفي وقرابة مليوني محفظة إلكترونية، بينها 560 ألف محفظة لأشخاص لا يمتلكون حسابات مصرفية.

ويشير إلى أن الأرقام تعكس تحول الحساب المصرفي والمحفظة الإلكترونية من مجرد خدمة مالية إضافية إلى جزء أساسي من البنية الاقتصادية اليومية للمواطن.

ويبيّن أن حجم التحول الرقمي في القطاع المالي تؤكده أرقام المعاملات الإلكترونية، إذ جرى خلال الفترة الممتدة من يونيو/حزيران 2025 إلى يونيو/حزيران 2026 تنفيذ نحو 126.4 مليون معاملة إلكترونية، بقيمة إجمالية بلغت 35.2 مليار دولار، في حين تجاوز عدد عمليات نظام "iBURAQ" عشرة ملايين معاملة خلال شهر يونيو/حزيران 2026 وحده.

المفارقة الاقتصادية

ويقول القشاش إن المفارقة الاقتصادية تكمن في وجود توجه رسمي واضح نحو تقليل الاعتماد على النقد وتعزيز الدفع الإلكتروني، في الوقت الذي قد يؤدي فيه إغلاق أعداد واسعة من الحسابات والمحافظ إلى طرح سؤال أساسي حول الوجهة التي سيتجه إليها هؤلاء المستخدمون.

ويوضح أنه في حال لم ينتقل أصحاب الحسابات المغلقة إلى حسابات ومحافظ بديلة، فقد يعود جزء منهم إلى التعامل النقدي والوسطاء والسوق غير الرسمي، وهو ما يتعارض، بحسبه، مع الهدف الاقتصادي المعلن للتحول الرقمي وتعزيز الشمول المالي.

ويضيف أن الأمر يصبح أكثر حساسية في قطاع غزة، حيث أقرت سلطة النقد بأن أزمة السيولة النقدية كانت شديدة، وأن الحلول الرقمية استُخدمت للتخفيف من الاعتماد على النقد وتمكين المواطنين من تلقي الأموال وتسديد الالتزامات.

ويشير القشاش إلى أن محافظ سلطة النقد حذر في يوليو/تموز 2026 من تراكم نحو 18 مليار شيكل من السيولة النقدية بالشيكل في خزائن المصارف الفلسطينية، أي ما يقارب 6 مليارات دولار، موضحاً أن هذا التراكم يحد من قدرة القطاع المصرفي على تمويل التجارة والمشاريع.

ويقول إن هذه المعطيات تبرز مفارقة اقتصادية تتمثل في أن الاقتصاد يعاني من اختناقات في حركة النقد، في الوقت الذي يجري فيه دفع المواطنين نحو القنوات المالية الرسمية والرقمية.

ويؤكد القشاش أن أي عملية إغلاق واسعة للحسابات تحتاج إلى احتساب آثارها الاقتصادية قبل تنفيذها، مشيراً إلى أن الرقابة حق، لكن الإغلاق ليس إجراءً بلا ضوابط.

ويوضح أنه لا خلاف على حق سلطة النقد والمصارف في تحديث البيانات، ومكافحة غسل الأموال، إلا أنه شدد على ضرورة التمييز بين الحساب الذي يحتاج إلى تحديث بيانات، والحساب غير النشط، والحساب الذي توجد عليه مؤشرات مخاطرة، والحساب الذي ثبتت مخالفته القانونية.

ويقول إن وضع هذه الفئات جميعها في سلة واحدة قد يؤدي إلى إجراء رقابي صحيح في هدفه، لكنه مكلف اقتصادياً في آثاره، خصوصاً أن سلطة النقد نفسها تعرّف رسالتها بأنها الجمع بين سلامة واستقرار القطاع المالي وتعزيز الثقة والشمول المالي والتحول الرقمي.

ويشدد القشاش على أن المعادلة المطلوبة يجب أن تقوم على الجمع بين الامتثال وحماية العميل والشمول المالي والاستقرار المالي، وليس اختزال الامتثال في إغلاق الحسابات.

قيود تشغيلية

وفيما يتعلق بقطاع غزة، يؤكد القشاش أن القطاع لا يحتمل صدمة مالية إضافية، موضحاً أنه في الاقتصاد الطبيعي يمكن للمواطن الذي أُغلق حسابه أن يفتح حساباً آخر بسهولة، ويزور فرعاً مصرفياً، ويحدث بياناته، ويستلم أمواله.

لكنه يشير إلى أن الوضع في غزة مختلف، في وجود القيود التشغيلية والدمار وصعوبة الحركة والوضع الاقتصادي، إلى جانب الاعتماد المتزايد على الخدمات الرقمية، الأمر الذي يجعل إغلاق الحساب أو المحفظة يعني عملياً بالنسبة لبعض الأسر تعطّل استلام راتب أو حوالة أو مساعدة أو تحويل عائلي، أو تعذر الدفع للتاجر أو تسديد التزام مالي.

ويؤكد أن الأمر لا يمثل مجرد تفصيل مصرفي، بل قد يعني تعطيل دورة اقتصادية كاملة.

ويدعو القشاش إلى اعتماد ما وصفه بـ"التنظيف المصرفي دون الإقصاء المالي"، موضحاً أنه إذا كانت المشكلة تتمثل في الحسابات غير المتوافقة مع متطلبات الامتثال، فإن الحل الاقتصادي الأكثر توازناً يجب أن يتضمن توفير آلية واضحة للاعتراض وتسوية أوضاع أصحاب الحسابات، خصوصاً في الحالات التي لا توجد فيها مؤشرات واضحة على وجود نشاط غير مشروع.

ويقول إن الهدف يجب أن يكون تنظيف النظام المالي من المخاطر، وليس إخراج المواطنين من النظام المالي.

ويطرح القشاش تساؤلاً عن معيار نجاح سياسات الشمول المالي، قائلاً إنه إذا كانت سلطة النقد تستهدف رفع الشمول المالي إلى مستويات أعلى، وإذا كان عدد المحافظ الإلكترونية قد وصل إلى نحو مليوني محفظة، فلماذا لا يكون معيار النجاح هو عدد الحسابات التي جرى تصحيح أوضاعها، بدلاً من عدد الحسابات التي جرى إغلاقها؟

ويؤكد أن الثقة في الحساب البنكي والمحفظة الإلكترونية في قطاع غزة تحديداً ليست مسألة تقنية، وإنما تمثل جزءاً من الأمن الاقتصادي للأسر والتجار.

"مجزرة حقيقية"

من جهته، يقول الاختصاصي في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر إن سياسة تجميد الحسابات المصرفية في قطاع غزة تأتي في إطار العقوبات والحصار الاقتصادي المفروض على القطاع، محمّلاً مختلف الأطراف مسؤولية معالجة تداعياتها، بما في ذلك سلطة النقد والمصارف العاملة في فلسطين.

ويوضح أبو قمر لصحيفة "فلسطين" أن أكثر من 5 آلاف حساب مصرفي جمدت حتى الآن، محذراً من أن استمرار تجميد حسابات جديدة قد يقود إلى ما وصفه بـ"مجزرة حقيقية" في الحسابات المصرفية، في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة التي يعيشها المواطنون في قطاع غزة.

ويشير إلى وجود تناقض بين دعوات سلطة النقد والمصارف، على مدار السنوات الماضية، لتعزيز الشمول المالي وتشجيع المواطنين على فتح الحسابات المصرفية والمحافظ الإلكترونية والتقليل التدريجي من الاعتماد على النقد، وبين ما يواجهه المواطنون حالياً من تجميد لحساباتهم.

ويبيّن أن الحرب دفعت المواطنين، في كثير من الحالات، إلى الاعتماد على الخدمات المالية والمصرفية بصورة أكبر، إلا أن تجميد الحسابات أدى إلى نتائج عكسية، ودفع بعض المواطنين للبحث عن بدائل لحفظ أموالهم، من بينها شراء الذهب، الأمر الذي ساهم، بحسب أبو قمر، في ارتفاع أسعاره، إلى جانب تراجع الثقة بالقطاع المصرفي الفلسطيني واتساع نطاق السوق السوداء.

ويضيف أن استمرار الأوضاع يضعف دور الجهاز المصرفي في إدارة الحركة المالية، ويزيد من الضغوط الاقتصادية على المواطنين الذين لم يعودوا قادرين على تحمل مزيد من الأعباء.

ويدعو أبو قمر سلطة النقد والمصارف إلى مزيد من الوضوح والشفافية تجاه المواطنين، لا سيما في حال وجود مخاوف أو التزامات مرتبطة بمساءلات أو متطلبات دولية، مطالباً بتوضيح حقوق المواطنين وواجباتهم والمعايير التي قد تؤدي إلى تجميد الحسابات.

ويشدد على ضرورة أن تكون الإجراءات المصرفية تدريجية، بحيث يتم إبلاغ المواطن بالمخالفة أو الإشكالية ومنحه فرصة للمراجعة وتصحيح وضعه قبل اللجوء إلى تجميد الحساب، بدلاً من اتخاذ إجراءات مفاجئة.

كما يطالب بتمكين المواطنين من التواصل المباشر مع المصارف ومراجعتها، مؤكداً أن وضع معايير واضحة لا يكون كافياً ما لم تترافق مع آليات تتيح للمواطن معرفة أسباب الإجراء المتخذ بحقه والدفاع عن حقوقه.

المصدر / فلسطين أون لاين