في قلب المعاناة المستمرة التي يواجهها الغزيون، تتكشف يوميا فصول جديدة من الألم الإنساني الذي يخطه الجرحى بدمائهم وأوجاعهم. الشاب مؤيد الحية (26 عاما)، نموذج لحكاية صبر تلخص واقع الآلاف من الجرحى المحرومين من أبسط حقوقهم العلاجية والإنسانية في ظروف قاسية فرضتها آلة الحرب والحصار.
تعود تفاصيل إصابة مؤيد إلى تاريخ العشرين من يوليو/ تموز 2025، حينما استهدفته شظايا إسرائيلية في منطقة البحر، لتستقر في ذراعه اليمنى وتحدث فيها ضررا بالغا. ومنذ تلك اللحظة المفصلية، تحولت حياة الشاب إلى كابوس مستمر من العذاب.
يقول مؤيد بصوت يختزل غصة الألم لصحيفة "فلسطين": "لم أنم الليل من الألم والوجع الشديد، ولم أشعر بيدي بشكل مطلق وكأنها جردت من الحياة".
ويضيف بمرارة أن معاناته تتضاعف يوميا بسبب الحاجة الماسة لعلاجات ومسكنات خاصة، وإن وجدت، فإن أسعارها الباهظة تفوق قدرته المالية، ولا سيما أنه فقد عمله ومصدر دخله الوحيد، مبينا أن منظر يده المصابة تقشعر له الأبدان من شدة الضرر الذي لحق بها.
معاناة ليلية وإحراج مستمر
يروي مؤيد تفاصيل أيامه ولياليه بقسوتها البالغة، مؤكدا أنه يعيش دوامة لا تنتهي من الوجع المبرح الذي يحرمه النوم لساعات طويلة متواصلة، إذ يتحول الليل إلى ساعات ثقيلة وطويلة يغلب عليها الأنين المستمر نتيجة تفاقم الإصابة.
ويقول بمرارة بالغة وعينين تملؤهما الدموع: "أعيش ساعات طويلة من الليل بلا نوم، فالوجع يمزق ذراعي بلا توقف، وأبقى ساهرا أصارع الألم وحدي حتى ساعات الصباح الأولى".

ولا تتوقف مأساة الليل عند حدود الألم الجسدي، بل تمتد لتسبب ضغطا نفسيا قاسيا بسبب الحرج الشديد الذي يشعر به تجاه جيرانه في مركز الإيواء المكتظ.
يضيف مؤيد بصوت مخنوق بالحسرة: "أشعر بحرج شديد ومستمر أمام الجيران ومن حولنا في مركز الإيواء، فأنا لا أستطيع السيطرة على صوت آهاتي وشكواي خلال الليل من شدة القسوة التي أعيشها، وأخشى دائما أن أكون سببا في إزعاجهم أو مضايقتهم، بالرغم من أن ما أنا فيه أكبر بكثير من قدرتي على التحمل".
مأساة النزوح وهدم الحلم
لم تقتصر جراح مؤيد على جسده فحسب، بل امتدت لتطال جدران ذكرياته ومستقبله. فهو يعيش اليوم ظروفا بالغة القسوة في أحد مراكز الإيواء بشمال غزة، بعد أن هدم منزله الكائن في حي الشجاعية بفعل الغارات الإسرائيلية المدمرة.
وعلى الرغم من قسوة النزوح وفقدان المأوى، يبرق أمل دافئ في عيني مؤيد، إذ يحمل طموحا واحدا لا يتغير: "أن أعود إلى حي الشجاعية، وأسكن فوق ركام منزلي المدمر، لأشتم رائحة منطقتي وأرضي التي عشقتها".
ولم تكن حياة مؤيد الاجتماعية بمنأى عن هذا الاستهداف، فهو شاب تزوج قبل اندلاع الحرب بأشهر معدودة، وكان يحلم ببناء عائلة سعيدة، غير أن الحرب حرمته حتى من فرصة الإنجاب، ليختم أمنيته بالدعاء الخالص قائلا: "أدعو المولى أن يرزقني طفلا يملأ علي حياتي بعد كل هذا الخراب".
أربع عمليات وصرخة استغاثة
في رحلة البحث عن الشفاء، خضع مؤيد لأربع عمليات جراحية متتالية، ولكنها لم تنجح بالشكل المطلوب. ويعلل الأطباء ذلك بالنقص الحاد في المستلزمات الطبية وشبه انهيار المنظومة الصحية في المستشفيات بقطاع غزة، وغياب الأجهزة الطبية المتطورة والإمكانيات اللازمة للتعامل مع الحالات المعقدة مثله، بفعل حرب الإبادة.
وبات الأمل الوحيد المتبقي لإنقاذ ذراعه اليمنى السفر العاجل إلى أحد المستشفيات خارج قطاع غزة.
ويؤكد مؤيد أنه يمتلك تحويلة طبية رسمية، ولكنه اصطدم بجدار الحصار الإسرائيلي، ما جعله رهينة للألم والعجز داخل حدود القطاع المحاصر.
تعد حالة الشاب مؤيد الحية واحدة من أقسى الحالات وأكثرها إيلاما داخل مركز إيواء الصبرة، كما يقول مدير المركز محمد الغف.
يقول الغف متحدثا عن وضع مؤيد: "نحن نتابع من قرب حالة الشاب مؤيد، فهو يعيش مأساة حقيقية لا تتوقف أوجاعها ليلا أو نهارا، فالرجل يعاني آلاما شديدة تمنعه من النوم، وغياب المسكنات المناسبة يضاعف من عذابه اليومي بشكل لا يمكن وصفه".
ويشدد لصحيفة "فلسطين"، على أن استمرار القيود الإسرائيلية تمثل حكما بطيئا بالموت على الجرحى، مختتما بالقول: "مؤيد يحتاج بشكل عاجل وفوري لعملية جراحية معقدة وتدخل طبي خارج القطاع لإنقاذ يده من بتر محتم، وكل يوم تأخير يعني تفاقما خطيرا في حالته الصحية والنفسية".
نداء أخير من فوق ركام الألم على سرير الوجع في شمال غزة، حيث تتشابك قسوة النزوح مع مرارة العجز، يطلق الجريح مؤيد الحية نداءه الأخير قبل فوات الأوان.
صرخة متجددة يوجهها إلى كل ضمير حي، والمؤسسات الحقوقية والدولية، ومنظمة الصحة العالمية: "أنقذوا ذراعي من البتر، واكسروا هذا الحصار الظالم".
بين يد مهددة بالموت وعتبات وطن مدمر، يبقى مؤيد وآلاف الجرحى أسرى لانتظار قاتل، يترقبون بصيص أمل يعيد الحياة إلى أجساد أنهكتها الحرب.

